فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 22

بها أوثق الصلات، وأنّ القاطنين بالمناطق الجبليّة يتأثّرون بقسوة الطبيعة وخشونة العيش. وذلك ينعكس على لغتهم فنجد في نظامها الصوتيّ غلظة عسيرة على السمع، بينما يكون نظام اللغة الصوتيّ مستساغا في بيئة يتمتّع أهلها بنعومة العيش ووفرة الرزق. هذه النظريّة يمكن نقضها بسهولة مهما بدت معقولة. نعم! قد نجد في لغة أهل القوقاز مثلا نظاما صوتيّا عسيرا يصوّر قسوة الطبيعة، وعلى العكس من ذلك، من الممكن أن نحسّ في غيره من المناطق بنُظُم صوتيّة أعذب في السمع تمثّل محيطا طبيعيّا أرحم.

وممّا يبطل هذه النظريّة أنّ سكّان السواحل من أهالي الشمال الغربيّ بالولايات المتّحدة يكسبون رزقهم بأوفر وسيلة وبقليل من الجهد من بيئتهم البحريّة الزاخرة بمنتجات المحيط الهادي، المعروفة بطيب مناخها وسهولة أرضها؛ ومع ذلك لا نجد نظام لغتهم الصوتيّ أقلّ خشونة من نفس النظام في لسان أهل القوقاز. والطبيعة أشدّ ما تكون قسوة على الإسكيمو القاطنين بغرونلند (Groenland) وأميركا الشماليّة؛ لكنّ في نظام لغتهم الصوتيّ نوعا من الليونة والسهولة ممّا لا تنفر منه الأذن بل ممّا تستطيبه. وقد تعمّ هذه الظاهرة معظم لغات الهنود الحمر إلاّ أنّها عند الإسكيمو أوضح.

وهناك لغات مختلفة على وجه البسيطة، مستعملة في مناطق متشابهة من حيث بيئتها الطبيعيّة، متقاربة في نظمها الصوتيّة؛ غير أنّ هذا التقارب لا يرجع إلى المحيط الطبيعيّ - والأدلّة على ذلك متوفّرة - إنما هو نتيجة عوامل سيكولوجيّة خفيّة يصعب توضيحها. وتشبه إلى حدّ كبير العناصر الثقافيّة التي تنتقل من حضارة إلى أخرى وتدبّ في مجموعها دبيب الروح في الجسد. فبعض لغات الهنود الحمر مثل التلينجيتيّة (12) (tlingit) والهيدويّة (13) (haida)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت