الحال والوظائف النحوّية الأخرى دلاليًّا خالصًا لا يعضّده اشتراك نحويّ أو صرفي أو موقعيّ فإنّ هذه الأبعاد الدلاليّة المشتركة لا يُلتفت إليها في الغالب، ويبقى القول في إعراب الكلمة محصورًا في الحال لا يخرج عنها إلى غيرها، وهذا ما سنحاول توضيحه في هذا البحث.
تكاد حدود النحاة، على اختلاف أزمنتهم، تتّفق في تحديد الملحظ الدلالي للحال في كونه هيئة الفاعل أو المفعول وقت وقوع الفعل، وواضح أنّ هذا الملحظ يشترك في تكوينه ثلاثة عناصر:
-الفعل (وهو العامل في الحال) .
-الفاعل أو المفعول (وهو ما اصطلح على تسميته بصاحب الحال) .
-الحال.
وعلى الرغم من أنّ سيبويه، وهو يعرض لوظيفة الحال، اتّجه إلى ربطها مباشرة بالفعل في قوله:"هذا باب ما يعمل فيه الفعل فينتصب وهو حال وقع فيه الفعل وليس بمفعول كالثوب في قولك: كسوت الثوب، وفي قولك: كسوت زيدًا الثوب، لأن الثوب ليس بحال وقع فيها الفعل ولكنه مفعول كالأول" [1] فإنّ أغلب حدود النحاةّ وشروحهم التي توضّح الملحظ الدلالي لهذه الوظيفة تتّجه إلى التركيز على العلاقة بين الحال وصاحبها؛ كقول ابن السراّج مثلًا:"والحال إنما هي هيئة الفاعل أو المفعول أو صفته في وقت ذلك الفعل المخبر به عنه" [2] وكقول ابن يعيش:"اعلم أن الحال وصف هيئة الفاعل أو المفعول وذلك نحو جاء زيد ضاحكًا، وأقبل محمد مسرعًا، وضربت عبدالله باكيًا، ولقيت الأمير عادلًا" [3] . أمّا ربطهم الحال بالفعل (العامل) فيأتي في سياقات أخرى؛ كبيان ما يصلح أن يعمل في الحال من العوامل اللفظية والمعنويّة، أو بعض التفسيرات التي توضّح أبعادًا خاصّة في هذه الوظيفة وأشكالًا بنيويّة معيّنة تأتي عليه؛ كتعليلهم الذي مرّ قبل قليل لمنع مجيء جملة الحال إنشائية بقولهم إنّ الغرض من الحال تقييد عاملها [4] .
(1) 11. ... سيبويه، الكتاب، 1/ 44.
(2) 12. ... ابن السرّاج، الأصول في النحو، 1/ 213.
(3) 13. ... ابن يعيش، شرح المفصل، 2/ 55. وانظر أيضًا: السهيلي، نتائج الفكر في النحو 394، والرضيّ، شرح الكافية 1/ 198، وشرح الأشموني على ألفيّة ابن مالك 2/ 186، والشريف الجرجاني، التعريفات 285، وعباس حسن، النحو الوافي 363.
(4) 14. ... لا يعني هذا أنّ النّحاة لم يتنبّهوا للعلاقة بين الحال وعاملها وما ينتج عنه من أبعاد دلاليّة مخصوصة؛ فالقصد، هنا، بيان أنّ تركيز النّحاة على العلاقة بين الحال وصاحبها كان هو المقدّم في الغالب.