الصفحة 12 من 24

تأتي الحال في أكثر صور استعمالها متوافقة مع ما وضعه النّحاة من حدود وتقسيمات: فهي في أغلب استعمالاتها تبيّن هيئة صاحبها وقت وقوع عاملها، والأمثلة على ذلك كثيرة مستفيضة تمتلئ بها مصنّفات النّحاة وتزخر بها نصوص الاستعمال العربي على اختلاف زمنها.

وإذا كان هذا التوافق مع وصف النّحاة وقواعدهم يمثّل الكثرة الكاثرة من صور استعمال هذه الوظيفة فإنّه يقع على هامش هذه الكثرة أمثلة أخرى تغاير ما أصّله النّحاة، وتتّجه في دلالاتها إلى حدود وظائف نحويّة أخرى فتتداخل معها وتعبّر عن أبعاد دلاليّة لا تقع ضمن الدائرة الدلاليّة لوظيفة الحال.

وقد تنبّه النّحاة إلى بعض صور هذا التداخل، وأشاروا إليها إشارات عابرة، ولكنّهم ظلّوا متمسكين بضمّ هذه الصور الاستعماليّة المخصوصة إلى باب الحال، رغم ابتعادها دلاليًّا عما تعبّر عنه هذه الوظيفة عادة، وسنحاول، من خلال هذه الدراسة، أن نعرض لجوانب من هذا التداخل وأن نتلمّس الأسباب التي منعت النّحاة من القول به.

أوّلًا- التداخل بين الحال والمفعول لأجله:

يجيز كثير من النّحاة في باب المفعول لأجله أنْ يُعْرَب المصدر الواقع في هذه الوظيفة، في كثير من المواقع، حالًا؛ لأنّ المصدر، عندهم، يجوز أن يقع حالًا، وإن كان هذا خلاف الأصل [1] ، كما قال في ذلك ابن مالك [2] :

ومصدر منكّر حالًا يقع ... بكثرة كبغتة زيد طلع

وعليه، فقد جوّز النّحاة، مثلًا، وجهين في إعراب"عبثًا"من قوله تعالى [3] :

{أَفَحسِبتُم أَنّما خَلقناكُم عَبثًا وأّنكُم لا تُرْجَعُون}

فقالوا فيها: يحتمل أن تكون مفعولًا لأجله ويحتمل أن تكون حالًا، فهذا الاحتمال مقبول؛ لأنّ في الشروط الصرفيّة للوظيفتين ما يبرّره؛ فالمفعول لأجله لا يكون إلا مصدرًا، والحال يجوز فيها ذلك أيضًا، فهذا التجويز فتح قناة تواصل بين الحال ووظائف نحوية أخرى، منها المفعول لأجله، مما سمح بتعدد الاحتمالات الإعرابية في التركيب الواحد [4] .

(1) 16. ... يقول النّحاة في ذلك:"حقّ الحال أنْ يكون وصفًا، وهو ما دلّ على معنى وصاحبه: كقائم، وحسن، ومضروب، فوقوعها مصدرًا على خلاف الأصل؛ إذ لا دلالة فيه على صاحب الحال"شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك، ضمن حاشية الخضري، دار الفكر، بيروت-لبنان، 1995، 1/ 318، وهذا القول هو مذهب سيبويه وجمهور البصريين، انظر في تفصيل ذلك مثلًا: ابن هشام الأنصاري، أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك 2/ 305.

(2) 17. ... على اختلاف في التأويل عندهم؛ فسيبويه والجمهور يؤولونه بالوصف، أمّا الأخفش والمبرّد فيذهبان إلى أنّ المصدر منصوب على المصدريّة بفعل محذوف، فالحال عندهما الجملة لا المصدر. أنظر: شرح الأشموني على ألفيّة ابن مالك 2/ 172.

(3) 18. ... المؤمنون: 115. انظر، على سبيل المثال: الزمخشري، الكشاف، دار الفكر، 3/ 45 والجمل، الفتوحات الإلهيّة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 3/ 205.

(4) 19. ... لا يُتْرك هذا التعدد، في الغالب، من دون ترجيح لوجه على وجه آخر باعتماد ضوابط مخصوصة يتكّئ معظمها على السياق العام للكلام. انظر في ذلك: فاضل السامرائي، معاني النحو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت