الصفحة 1 من 10

تجربة الموت في شعر الخنساء

بين الواقع والمثال

م. حسن سعد لطيف

خلاصة البحث:

هذا البحث يقوم على محاولة استقصاء الحالة النفسية التي تنطلق منها الشاعرة في وعيها لقضية الموت التي عاشت معها حقبة طويلة من الزمن، وكان لها تأثير على نفسيتها وشعرها، وهي محاولة لمعايشة تجربتها الشعورية التي من خلالها يتم نظم القصيدة بمكوّناتها الإبداعية، وهي مرحلة تكون مشحونة بصراع نفسي داخلي يكون له تأثير كبير على الشاعرة وبالتالي على شعرها بصورة عامة، وهذا يتم عبر خلق تصوّر عام لمعاناتها من خلال تحليل قصيدتها أولا، والنظر إلى أهم الظروف التي صاحبت نظم بعض قصائدها ثانيا.

وتربط هذه الدراسة بين هذه الحاجة الملحّة لنظم الشعر للتخلّص من ركام العذاب النفسيّ، وبين اهتمام الشاعر بالمتلقي ومحاولته الدّائبة على أن يكون شعره ملائما لما في نفس السامع، وهما أمران يصعب الجمع بينهما.

مقدمة:

لا ريب أن الشعر هو متنفس كبير لأولئك الذين يتأثرون تأثرا بالغا بما يطرأ على نفوسهم من تقلبات سواء كانت خيرا أم شرا، فتنطلق من وجدانهم مشاعر عارمة تفيض ـ أحيانا ـ بحب عظيم ومعانٍ سامية، وأحيانا بقسوة متناهية وثورة جامحة، لأن الأحاسيس التي تملأ الوجدان ـ حين انفلات اللسان بالتعبير عن تلك الأحاسيس ـ هي المنتج الحقيقي لذلك الفن الجميل (الشعر) ، والغرائز التي تُختزن في قلب الشاعر مدةً ثمّ تثور فجأة هي المكوّنة الفعليّة لتلك الأفكار التي تفعل فينا فعل السحر.

إنّ الروح الوادعة المسالمة ـ أحيانا ـ والروح الصلبة الخشنة ـ أحيانا أخرى ـ هي التي تمتلك وسائل التعبير عن كوامن النفس البشرية وانفعالاتها، وأهم هذه الوسائل اللغة التي تعبّر عن الأفكار المختزنة بطريقة فنية خاصة ترتفع درجات كثيرة عن الكلام العام، ولهذا نجد الشعر ـ في مواطن كثيرة ـ يبتعد عن الانكشاف والوضوح، ويحتاج إلى وقفات مطوّلة من التأمّل والتحليل والتأويل.

وكثير من النفوس البشرية متطبعة على حب التطلع والتأمّل في الأشياء والخروج منها بكثير من الأمور التي لا نراها فيها بمجرد النظر الطبيعي، والشاعر يجب عليه ـ كما يرى د. طه حسين ـ أن يصور الأشياء لا كما تشاء الأشياء أو كما تشاء الطبيعة (1) ، ولهذا فإنّ معرفة الإنسان بالأشياء أصبحت تمتزج بمؤثرات نفسية، تجعلها تبتعد خطوات عن العقل والمنطق، لأنّ صورة الأشياء في النفس تعبّر عن حالات جديدة، لا يمكن للنظر المجرد بغير وعي وتأمّل أن يكتشفها أو يعبّر عنها، وعلى هذا فإننا نلحظ وجود توافق واضح (بين ما نسميه الشعور، وبين ما نسميه الوعي والتأمّل، والشعر هنا رؤيا كيانية، وتجربة نفسية تأمليّة، وهو استبصار معرفي، لكن أداته ليست النقل ولا العقل، وليست البرهان ولا المنطق، إنّها الحدس، أو البصيرة، أو عين القلب) (2) .

وقد جعل حازم القرطاجني (ينبوع الشعر من حركات النفس، ومصبّه النفوس الإنسانية في مدى تقبّلها أو إعراضها بحسب الفطرة، أو بقوة الاكتساب الذي يرقى إلى درجة العادة، ولهذا كان من الطبيعي أن يوجه الشاعر ليستمد معانيه من التجربة الحسية، بحيث ترتسم صور المحسوسات في خياله، ثمّ يستطيع خياله أن يؤيد التجربة المستمدة من عالم الطبيعة بقوة التخيّل والملاحظة، والتجربة المستمدة عن طريق الثقافة، كدراسة ما جرى من قبل من تجارب غيره من الشعراء والأدباء، أو ما أورده المؤرخون والقصّاص، أو ما تبلور من التجربة الشعرية في صور أمثال، والإفادة منه زائدا على التجربة الطبيعية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت