فهرس الكتاب
أما مجيء اسم الفاعل المضاف حالًا، في قوله تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِه} [الحج: 9] ، فيرى فيه أن تنكير الحال ليس واجبًا في جميع الأحوال؛ بل الغالب في الحال أن يكون نكرة (60) ، مستدلًا على ذلك بمذهب البغداديين ويونس، الذين يجيزون تعريف الحال مطلقًا بلا تأويل، كما في"جاء زيدٌ الراكبَ" (61) .
فضلًا عن مجيء الحال معرفة في قول الشاعر (62) :
وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى نَغَصِ الدّخَالِ ... فَأَرْسَلَهَا العِرَاكَ وَلَمْ يَزُدْهَا
وقول العرب:"اجتهد وحدك وكلَّمتُه فاهُ إلى فِيَّ" (63) . والحق أن جملة الشواهد المذكورة أدلّة كافية على مجيء الحال معرفة في الشعر والنثر على حدّ سواء، وحملها على الظاهر خير من التأويل الذي لجأ إليه النحاة.
ونحن نعلم أن النحاة قد حملوا هذه الشواهد على التأويل، يقول أبو البركات:"فأما قولهم أرسلها العراك، وطلبته جهدك، وطاقتك، ورجع عوده على بدئه؛ فهي مصادر أُقيمت مقام الحال؛ لأن التقدير"أرسلها تعترك"و"طلبته تجتهد"، وتعترك وتجتهد جملة من الفعل والفاعل في موضع الحال، كأنك قلت أرسلها معتركة، وطلبته مجتهدًا إلا أنه أضمر وجعل المصدر دليلًا عليه، وهذا كثير في كلامهم (64) ."
أما استدلال النحاة بأن"رُبَّ"قرينة تنكير؛ لاختصاصها بالنكرات، بدليل دخولها على اسم الفاعل (ممطرنا) ، - وهو دليل على تنكير اسم الفاعل-، فمردود بدخول"رُبَّ"على (مَنْ) (65) في قول الشاعر (66) :
قَدْ تَمَنَّى لِيَ مَوْتًًَا لَمْ يُطَعْ ... رُبَّ مَنْ أَنْضَجْتُ غَيْظًًَا قَلْبهُ