و من قبله صحّح القيسيّ هذا الرأي، يقول:"وقال بعضُ أهل النّظر: ليست الحروف مأخوذةً من الحركات الثلاث، ولا الحركات مأخوذة من الحروف، إذ لم يسبق أحد الصّنفين الآخر ... ، وهو قول ٌ صحيحٌ إنْ شاء الله تعالى". [20]
و لعل هذا الرأي جديرٌ بالقبول؛ إذ أنّ من المعلوم أنّه ليس هناك اتّفاق مطلقٌ بين صوتين، وإلا لعُدّا صوتا واحدا، و أنَّ أيَّ قدر من التغاير بينهما يجعل منهما صوتين متغايرين، و لذلك يقول ابن جني:"لولا الإطباق لصارت ... الطاء دالا، والصاد سينا، والظاء ذالا". [21]
و في مقدمة العين بقول الليث نقلا عن الخليل:"لولا بحّة في الحاء لأشبهت العين؛ لقرب مخرجها من العين ... و لولا هتّة في الهاء، و قال مرة: ههّة، لأشبهت الحاء؛ لقرب مخرج الهاء من الحاء". [22]
مع ملاحظة أنّ هناك قدرٌ من التغاير لا يخرج به الصوت عن حقيقته كالترقيق، والتفخيم في اللام، والراء، والتفخيم في الألف، هذا في الحروف، وكالاختلاس و هذا في الحركات.
فإن قيل: لِمَ لا يكون الطول، والقصر بين المتشابهين من أصوات المدّ، والحركات غيرَ مخرجٍ لكلٍّ منهما عن حقيقته الواحدة، فيكون في ذلك كالترقيق، والتفخيم، والاختلاس؟
قيل: إنّ الأصواتَ حروفا، وحركات لا قيمة لها في أنفسها، وإنّما قيمتها بعد تركيبها، و انضمامها إلى غيرها، و على هذا، فإنّ التغاير إنْ أخرج الكلمة عن مدلولها فهو تغاير يعتدُّ به، وإلا فلا، فـ (ضَرَب) بالفتح بعد الضاد غيرُ ... (ضارَبَ) ، و من هنا فالفتح صوت مغاير للألف، ولكن (ضرب، أو ضارب) بتفخيم الراء، أو ترقيقها فيهما هي هي، والخروج عن الصورة الصحيحة فيهما إنّما هو انحراف صوتيّ.