الصفحة 5 من 8

أو إلى قبره الشريف بعد وفاته مظهرا المشاق التي رافقته أثناء رحلته. في حين ولج بعض الشعراء [1] كالشراقسطي إلى المديح مباشرة نابذين تلك المقدمة، نحو قوله [2] :

الحمد لله منا باعث الرسل ... هدى بأحمد منا احمد السبل

او متخذًا بعضهم روحًا تعليمية كترتيب قصيدته المدحية حسب الحروف الهجائية كما ألفينا ذلك عند ابن المرحل في الوسيلة الكبرى أو حسب ترتيب سور القران الكريم كما فعل القاضي عياض.

تشابهت العوامل التي أججّت هذا اللون الشعري في المشرق والأندلس على حد سواء، فالوازع الديني في الصقعين كليهما المغربي والمشرقي ظهر على أشده، وبروز ظاهرتي الزهد والتصوف وما رافقهما من نزوع ديني خالص إلى الله ورسوله والتمني بالظفر بالحياة الاخروية السرمدية أسهم في اتساع هذا اللون الشعري. بل ان المتمعن بقصائد المديح النبوي يجد أنّ اغلبها كانت تتردد على السنة الشعراء المتصوفة والزهاد وفي قصائدهم: كابن عربي وابن سبعين وابن العريف والششتري حتى كأني أرى ان هذا اللون الشعري يمكن ان نعدّه بابا من ابواب الأدب الصوفي أو يدور في فلكه.

كما لا يمكن -البتة- تناسي الاعتقاد الذي ساد وما يزال. من أن شعر المديح النبوي خير وسيلة للظفر برضى الله بعد التوسل بنبيه لبلوغ مراتب السماء فراحوا يتغنون به في المناسبات والخلوات والسياحة في الآفاق.

إذن هذه هي البواعث العامة. وهناك بواعث خاصة أسهمت في ازدهاره لاسيما في القرنين الخامس والسادس للهجرة حينما كانت الأمة الإسلامية تئن من الضربات الموجعة والسهام النافذة التي يوجهها الصليبيون سواء أكان ذلك بحجة إنقاذ قبر السيد المسيح (ع) من أحضان المسلمين أم في محاولته البغيضة استئصال جذوة المسلمين في الأندلس مع ما رافق ذلك من تفتت وانقسام في الدويلات الإسلامية.

بعد البحث والاستقصاء في قصائد المديح النبوي في الأندلس وما رافق تلك القصائد من بواعث دفعت متعاطيها إلى قول الشعر؛ وجدنا أن هناك عوامل أخرى كانت سببا في نمائه يمكن إجمالها بما يأتي:

أولا: محاولة الشعراء المادحين التضرع لله ورسوله الأكرم لينجيهم من الكرب الذي المّ بهم بعد ركونهم إلى حقيقة لا يمكن إنكارها تكمن في أنّ الاندفاع الصادق للجهاد عند الأمراء قد أتى

(1) ينظر ديوان حسان بن ثابت: ص 145

(2) المجموعة النبهانية:3/ 188

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت