بعد أن وقفنا على البواعث العامة والخاصة التي أسهمت في إنضاج فن المديح النبوي بالأندلس أراني مضطرا للتعريج على بدايات هذا اللون في الأندلس. لقد اجمع الباحثون [1] في الأدب الأندلسي من أنّ البدايات الأولى لشعر المديح تبدو في شعر عبد الملك بن حبيب (ت 238 هجرية) في قصيدة مطلعها [2] :
(قال النبي صلاة الله تشمله ... قولا وجدنا عليه الحق والنورا)
فالقرن الثالث- بإجماع الباحثين- يعد منطلق الشعر في الأندلس إلا انه ظل مستمرا على نمط المقطعات لا القصائد الطوال وهذا أمر لا خلاف فيه بينهم فالنصوص - كما يرون- لم تكد تسعفهم بغير هذا. وان نفس شعراء الأندلس لم يكن نفسا طويلا. وبذلك لم نظفر بقصائد طويلة كالقصائد المشرقية كما ذهب إلى ذلك الدكتور محمد مجيد السعيد حين عدّ القصيدة النبوية الطويلة من طيبات القرن السابع للهجرة متسائلا عن سبب الإهمال الذي لحق بهذا الفن الشعري. ورأى أن ما قيل في مدح الرسول قبل هذا القرن ما هو إلا (قصائد نزرة تعرضت لذكر الرسول محمد(ص) ضمنيا طلبا للشفاعة أو الدعاء) [3] ، وسبقه في ذلك محمد بن تاويت الذي رأى أيضا ان القرن السابع للهجرة عصر الامداح النبوية في مغرب الأمة. مبينا ان حامل لواء المديح النبوي في الأندلس الشاعر (مالك بن المرحل ت 609 هجرية) [4] .
نقول: مكننّا الله- المقتدر- ان نقف على قصيدتين طويلتين لشاعر أندلسي من رجالات القرن السادس للهجرة. هو ابو الحسن سلام الأشبيلي (ت 544 ه) [5] . حيث مثلت هاتان القصيدتان بداية القصائد الطوال ساعتذاك. وبذلك نرى خلاف ما تواتر في هذا المضمار عند القدامى والمحدثين ممن جالوا في الأدب الأندلسي وصالوا. فكانت لي محاولات استقصائية جادة في المظان الأندلسية والمغربية التي تعنى بالمديح النبوي غايتي من ذلك أن أقف على إشارة او تلميح عن هاتين القصيدتين ولكني لم اعثر [6] على ذكر لهما، وهذا مما يحسب لنا، ويعدّ في الوقت عينه قراءة ثانية لقصيدة المديح النبويّ هناك. تجلي وبوضوح البعد الزمني لنشوء هذا اللون الشعري وبنفس أطول غير مقتصر على المقطعات كما كان يظن اغلب الباحثين.
يعدّ الشاعر أبو الحسن سلام الاشبيلي من شعراء المديح النبوي القلائل الذين انتهجوا مسلكا مختلفا كان قد تعارف عليه شعراء المديح النبوي في المشرق والأندلس إلا وهو الولوج مباشرة إلى المديح النبوي دونما استهلال أو مقدمة. كأن تكون طللية او غزل تقليدي إيمانا
(1) كالدكتور احسان عباس في كتابه تاريخ سيادة قرطبة ص 23 وتاريخ الادب الاندلسي عصر الطائف والمرابطين ص 44 ود. لطفي عبد البديع في كتابه الاسلام في اسبانيا ص 78 و د. عبد العزيز عتيق الادب العربي في الاندلس ص 98 و د سعد شلبي في كتابه البيئة الاندلسية وأثرها في الشعر ص 12 و د جودت الركابي في الأدب الأندلسي ص 118 و د. منجد مصطفى بهجت. اداب الرافدين ص 455.
(2) النفح 1/ 46
(3) الشعر في عهد المرابطين والموحدين بالاندلس: 270
(4) الوافي بالادب العربي في الغرب الاقصى ص 266
(5) سلام بن عبد الله بن سلام الباهلي الاشبيلي كنيته ابو عبد الله ينسب الى اشبيلية حيث مولده كان ادبيا شاعرا فقيها مائلا للزهد وكان قريبا من الوزارة حيث كان ابوه احد وزراء المعتمد بن عباد وهو صاحب كتاب (الذخائر والاعلاق في اداب النفوس ومكارم الاخلاق) وتوفي عام 544 هجرية وله ديوان بصنعتنا نشر في مجلة لارك العدد الرابع 2010. تنظر ترجمته في الذيل والتكملة بقية السفر الرابع:48 المغرب في حلى المغرب:1/ 434 كشف الظنون: 5776 والنفح:3/ 204.
(6) مثل ديوان الامداح النبوية وذكر الطبوع وبيان تعلقها با لطبائع الأربعة لأبي العباس احمد بن العربي كان حيا أواخر المائة الثانية عشر للهجرة وفتح الأنوار في بيان ما يعين على مدح النبي المختار للحاج محمد بن العربي الدلائي الرباطي ت 1285 وكتاب استنزال الرحمات با نشاد بردة المديح لأبي عبد الله الفاسي ت 1359 فضلا كتاب نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب.