الصفحة 11 من 14

أَخَا ثِقَةٍ .. (الخ) .

وفي قوله من القصيدة نفسها [1] :

وَحَوْلِيَ بَكْرٌ وَأَشْيَاعُهَا ... وَلَسْتُ خَلاَةً لِمَنْ أَوْعَدَنْ

فَجِئْتُكَ مُرْتَادَ مَا خَبَّرُوا ... وَلَوْلاَ الَّذِي خَبَّرُوا لَمْ تَرَنْ

يريد: يَأْتِيَنِي، وأَنْسَأَنِي، وأَنْكَرَنِي، وبَلَّغَنِي، وأَوْعَدَنِي، وَلَمْ تَرَنِي؛ فحَذَفَ ياءَ المتكلّم منها جميعًا، وليسَ هذا الحَذْفُ مِنْ بابِ حَذْفِ المفعولِ بِهِ لأنَّ المعنى مفهومٌ، كما هو في فصيح الكلام، ولكنَّما هُوَ حذفٌ بِسَبَبِ الضَّرورة والوَقْف، ولذلكَ أَثبت نونَ الوقاية، وهي إنَّمَا جاءَتْ لِتَقِيَ الفِعْلَ مِنْ الكسر الَّذي تُوجِبُهُ الياء، فأثبتَتَ النّونَ لِمَا نَوَاهُ مِنْ إِثباتِ الياء المحذوفةِ ضَرُورَةً [2] .

وقد يحذف بعضَ الحروف من الكلمة، فيقعُ القارئُ باللَّبْس؛ نَجِدُ ذلك في قَوْلِه [3] :

فَمَا لَكَ عِنْدِي نَائلٌ غَيْرُ مَا مَضَى ... رَضيتَ بِهِ فَاصْبرْ لذلِكَ أَوْ ذَم

قال في شرحه: «ذَمِ: تخفيف اذْأَمْ، وهو الأَمْرُ مِنْ ذَأَمَهُ (كَمَنَعَهُ) أَيْ حَقَّرَهُ وطَرَدَهُ وأَخْزَاهُ، والإِذْآمُ: الرُّعْبُ» ولولا هذا الشرح لَذَهَبَ بالقارئ عقلُه مَذَاهِبَ في ردِّ (ذَمِ) إلى أصله.

ومثله قولُه [4] :

عَلَى أنَّهَا إِذْ رَأَتْنِي أُقَا ... ... ... دُ قَالَتْ: بمَا قَدْ أَرَاهُ بَصِيرَا

وفي الشرح: «بما: بمعنى رُبَّما» ، ولولا ذلك لَظَنَّ القارئُ بالبيتِ الظُّنُونَ.

وقَصْرُ الممدود نوعٌ مِنَ الحَذْفِ وَرَدَ في شِعْرِ الأَعْشَى، والنَّحْوِيُّونَ مُجْمِعُونَ عَلَى جَوَازِه في الشِّعر، لِمَا فيهِ مِن رَدِّ الاسم إلى أصلِه بحَذْفِ الزَّائد منه، ولكنَّ بعضَهم، كالكسائيّ يَحْصُرون هذا القَصْرَ فيما كانَ منصوبًا، ويشترطونَ أَنْ يجيءَ في بابهِ مقصورٌ، فلا يَصِحُّ عندَهم مَثَلًا أَنْ تجيءَ مبالغةُ اسمِ الفاعل مقصورةً، لأنَّه لم يرد في صِيَغِ مُبالغةِ اسم الفاعل وزنٌ مقصورٌ؛ ولذلك لا يُقالُ عندَهم: هذا قَضَاكَ، ولا: عَجِبْتُ مِنْ قَضَاكَ؛ لأنّ الأَوَّل مرفوعٌ والثَّاني مجرورٌ، وهم يحصرونه في المنصوب؛ ولا يُقال: رأيتُ سَعَّا إِلى الشَّرِّ؛ لأنّه لم يرد عندَهم في بابِ مُبَالَغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَقْصُورٌ [5] ؛ ولكنّ الأعشى قَصَرَ المرفوع، وقصر ما جاءَ على وزن مبالغةِ اسم الفاعِل، فقال [6] :

عِنْدَهُ البِرُّ التُّقَى وَإِسَا الشّقْـ .. ... .. ـقِ وَحَمْلٌ لِمُضْلِعِ الأَثْقَال

(1) الديوان (75) .

(2) ضَرَائر ابن عصفور (127 - 129) .

(3) الديوان (169) .

(4) الديوان (145) .

(5) الإنصاف في مسائل الخلاف (2: 752) ، وضرائر ابن عصفور (116 ـ 117) .

(6) الديوان (59) ، وروايته: «عنده الحزم والتقى وأَسَا الصَّرْعِ .... » وأَسَا الجُرْحَ أَسًا: داواه؛ ولا شاهد فيها. والصَّرْع: داءٌ يُبْطِلُ الحِسَّ يمنَع الحَرَكةَ. والشَّقّ: داءُ الشَّقيقةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت