الصفحة 11 من 17

ثم خلص الشاعر إلى الرحلة إذ جعلها تخلصاَ من الحال (القفر) الذي يعيشه للانتقال إلى حال آخر أو واقع آخر، هو الارتحال إلى النعمان بن المنذر و لقائه، فمدحه بأوصاف أهمها الكرم و العطاء مظهرًا له الولاء و الوفاء يقول [1] :

فلمّا أن رأيت الدّار قفرًا ... وخالَفَ بالُ أهل ِ الدّارِ بالي

نهضْتُ إلى عذافِرة صموتٍ ... مذكرَة تجلُّ عن الكَلالِ

فداءٌ لامرئ سارت إليه ... بعذرةِ ربّها عمّيَ وخالي

فمن يغرفْ من النُعمانِ سَجلًا ... فليس كمنْ يُتيَّه في الضّلال

ومثلما قرن ابن قتيبة بين الرحلة والمدح، قرن بين الأطلال والمدح وجعلهما أي الأطلال والرحلة وسيلة إلى المدح، بل وسيلة للعطايا والهبات بشكل أدق، وكأن ابن قتيبة يحكم على هذا الثراء الموضوعي والفني في مقدمة القصيدة، بأنه أقرب إلى التحايل منه إلى الفن، ومن ناحية نظرية لم أقف على خبر عن شاعر جاهلي أغرقه الممدوح بالعطايا والندى، بل أن التكسب بالشعر لم يكن ظاهرة بارزة إلا في فترة متأخرة من العصر الجاهلي، فقد أورد الجاحظ عن أبي عمرو بن العلاء قوله:"كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيد عليه مآثرهم، ويفخم شأنهم ... ، فلما كثر الشعر والشعراء واتخذوا الشعر مكسبه، ورحلوا إلى السوقة وتسرعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم، فوق الشاعر" [2] . لذلك فإن قول ابن قتيبة لا نراه في الشعر الجاهلي، ولكننا نراه بصورة واضحة في الشعر العباسي عند شعراء المدح.

أما من ناحية اقتران الأطلال بالمدح اعتمادًا على الدواوين موضوع الدراسة، فجاء هذا الاقتران قليلًا جدًا لأن نسبة المقدمة الطللية، كما وضح لدينا سابقًا كانت قليلة جدًا، ويكفي أن نشير إلى أن ديوان عنترة، وديوان امرئ القيس خليا من اقتران الأطلال بالمديح فجاءت قصائد المدح في هذين الديوانين وهو قليل، دون مقدمات طللية.

وهناك ست قصائد في ديوان النابغة فيها مدح دون مقدمة طللية منها قصيدة في مدح غسان بدأها بقوله [3] :

(1) السابق، ص 150، 151.

(2) الجاحظ، عمر بن بحر، (د. ت) ، البيان، والتبين، ط 4، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الفكر، بيروت، ص 241.

(3) النابغة، الديوان، ص 101، 159*، 171**

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت