الصفحة 14 من 17

وهذه الصورة للأطلال في قصائد الرثاء، أكثر صلة من موضوع المدح، ومشاعره، ونفسية الشاعر المقبلة على الممدوح الطامحة لحياة جديدة، وله أخرى في رثاء هرم بن سنان بدأها بقوله [1] :

هاجَ الفؤادَ معارفَ الرّسمِ ... قفْر بذي الهضَباتِ كالوَشْم

ويقول بعد المقدمة الطللية راثيا هرم بن سنان [2] :

يا دَهْر قد أكثَرت فجعَتنا ... بسَراتنا وقرعَتْ في العَظْم

وسَلبتَنا ما لستَ مُعقبَه ... يا دَهر ما أنصَفتَ في الحُكم

أشار ابن قتيبة بشكل واضح وصريح أن صورة الأطلال كما جاءت في مقدمات قصائد الجاهليين صورة موحشة، يصور الشعراء فيها المنزل الداثر، والرسم العافي [3] ، وهي بشكل عام دمن وآثار دارسة، ومعنى ذلك أن المقدمة الطللية مقدمة نمطية كما ذكر أحد النقاد المحدثين [4] ، ويؤكد أنور عليان أن مواقف الشعراء، إزاء المقدمة الطللية وأحداثهم ومشاهدهم وصورهم ومعانيهم وتقاليدهم متشابهة [5] .

فهل جاءت صورة الأطلال كما ذكر ابن قتيبة ومن تبعه من المحدثين؟ وهل هي خرائب أو قبور [6] ؟ واعتمادًا على الدواوين موضوع الدراسة يمكننا القول باطمئنان كبير أن المقدمة الطللية لم تأت جميعها على الصورة السابقة، ولم تأت نمطية بل جاءت متنوعة مختلفة عند الشعراء الجاهلين، فاختلف الشعراء عن بعضهم في تصوير لوحة الطلل أو تلوينها، ففي الوقت الذي يصوّر فيه لبيد العامري أطلال الديار بأنها قد عفت بقوله [7] :

عفت الديارُ محلّها فمُقامها ... بمنىًَ تأبّد غَوْلُها فَرِجَامها

فمدافع الرّيان عُرٍّيَ رسمها ... خَلَقا كما ضُمِن الوُحَيّ سِلامُها

يصوّر امرؤ القيس الديار والأماكن التي وقف عندها باكيًا ومستبكيًا، أنها ما زلت باقية، بل أنه يستخدم ألفاظًا تتقابل مع ألفاظ لبيد السابقة، وهي"لم يعف رسمها"، يقول [8] :

فتوضع فالمقراةُ لم يَعْفُ رسمها ... بما نَسجتُها من جنوب وشمال

(1) زهير، الديوان، ص 272.

(2) السابق، ص 274.

(3) ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ص 1، 80.

(4) عبد الرحمن، إبراهيم (1977) ، الشعر الجاهلي، مكتبة الشياب، مصر، ص 179.

(5) أبو سويلم، أنور، صورة المطر في الوقفة الطللية الجاهلية، ص 212.

(6) النعيمي، أحمد (1994) ، الأسطورة في الشعر العربي، دار سيناء، القاهرة، ص 8.

(7) العامري، لبيد، (1962) ، الديوان، حققه: إحسان عباس، مطبعة حكومة الكويت، الكويت، ص 297.

(8) ابن حجر، امرؤ القيس، (1958) ، الديوان، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر، ص 231.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت