ولا شك أن الصورتين المختلفتين كانتا نتاج مشاعر كل شاعر منهما وأحاسيسه، وليس تقليدًا لأحد، لقد كانت الديار الدارسة والرسوم المندثرة مدعاة لألم لبيد بلا شك، لكن الديار الباقية، كانت سببًا في استرجاع ذكرى الأحبة الخالدة في نفس امرئ القيس لخلود تلك الديار وهذا ما ضاعف حزن الشاعر فبكى واستبكي.
وفي الوقت الذي يقيم عنترة تماثلًا بينه وبين الطلل الذي عاثت به أيدي البلى في قوله [1] :
لمن طَللٌ بالرقمتَين شَجاني ... وعاثَتْ به أيدي البَلى فَحَكاني
يشير طرفة بأن رسم الديار الذي صوّره لم تذهب معالمه بل ظل ماثلًا، يقول [2] :
وأرى لها دارًا بأغدرةِ السيدَ ... يْن لم يَدْرس لها رَسْمُ
ويصوّر عمرو بن قميئة الطلل بأنه مقفر وبأن المنزل عاف عندما يقول [3] :
أمن طللٍ قَفرٍ ومن منزلٍ عافِ ... عَفته الرياحُ من مشاتٍ وأصياف
لكن زهير بن أبي سلمى يصور الديار منتصبة ثابتة بل يصورها بأنها خالدة وهذا ما تدل عليه كلمة المخلد، كما أشار الشارح [4] ، يقول زهير:
لمن الديارُ غشيتها بالفَدفدِ ... كالوَحي في حَجْرِ المسيل المخْلِد
ويقول سلامة بن جندل مصورًا الدمن الباقية [5] :
هاج المنازل رحلة المشتاق ... دمن وآيات لبثن بواقي
-ولولا الإطالة لذكرت أمثلة أخرى تدفع نمطية صورة الأطلال وتشابهها.
ولم يقتصر التنوع والتلوين في صورة الأطلال على التنوع بين شاعر وآخر بل جاء هذا التنوع عند الشاعر نفسه، حسب الموقف الذي يمر فيه، والحالة النفسية التي يعيشها، ففي موقف ما يصوّر الشاعر الديار أو أطلالها بأنها مندثرة أو أنها درست، ووفي آخر يصوّر الشاعر نفسه الديار أو الأماكن بأنها باقية، وهذا تنوع أو تلوين من شأنه أن يرد ما كاد يستقر في أذهان كثير من الدارسين أو الباحثين من تشابه صورة الأطلال وتماثلها عند الشعراء، ومن شأن هذا التنوع أن يثري الصور المختلفة حسب ما يعتور دواخل الشاعر
(1) العبسي، عنترة، (1992) ، الديوان، شرح يوسف عيد، دار الجيل، بيروت، ص 181.
(2) ابن العبد، طرفة، (2000) ، الديوان، تحقيق: درية الخطيب، دار الثقافة، بيروت، ص 70.
(3) ابن قميئة، عمرو، (1965) ، الديوان، تحقيق: حسن كامل الصرفي، دار الكتاب العربي، مصر، ص 70.
(4) زهير، الديوان، ص 229.
(5) ابن جندل، سلامة، (1987) ، الديوان، تحقيق: فخر الدين، قيادة، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 132.