وذهنه ونفسه، مما يهب الشعر الجاهلي بعامة والمقدمة الطللية بخاصة مذاقًا خاصًا، وأبعادًا أعمق مما ألفنا قراءته أو سماعه.
فالشاعر عنترة مثلًا يصوّر الديار والأماكن التي درجت فيها محبوبته عبلة بأنها روضة دائمة الماء [1] :
بين العقيقِ وبينَ برقةَ ثهمدِ ... طللِ لعبلةَ مستهلّ المعهْد
أو أنها تفوح مسكًا وعودًا [2] :
قِفْ بالدّيارِ وصُخْ إلى بَيداها ... فعسَى الديار تُجيب مَنْ ناداها
دَارٌ يفوحُ المسكُ مِنْ عَرصاتِها ... والعودُ والندُّ الذّكيُّ جَناها
ويصورها في موضع آخر بصورة أخرى مختلفة [3] :
حُيّيتَ مِنْ طللٍ تقادمَ عهدهُ ... أَقْوى وأقفر بَعد أمّ الهيثم
ويقول [4] :
لمنْ طللٌ بوادي الرّملِ بالي ... محَتْ آثارَه ريحُ الشّمال
وَقْفَت به ودَمعي عَن جُفوني ... يَفيضُ على مَغانيهِ الخّوالي
إن الاختلاف بين الصورتين لا يرجع إلى اختلاف بين صورة واقعين ماديين، بل راجع إلى اختلاف بين إحساسين متفارقين. أحسّ بهما عنترة في موقفين مختلفين، فالأول إحساس بالأمل أو بما ينشده عنترة. أو يتمناه لهذا الطلل، أو بما ينبغي أن يكون فالمطر في الصورة الأولى انبعاث وحياة وتجدد وخصب، وما الروائح الطيبة (المسك والعود) إلا لقاء المحبوبة القريب زمانًا ومكانًا. وليست هي روائح الدار في واقعها، وأما الإحساس الثاني فهو"الألم، والفراق، والبعد"الذي ألم بالشاعر فبدت له الديار على هذه الحال:
ووجد التنوع أو التلوين عند زهير بن أبي سلمى، فهو يصوّر الديار في موقف بأنها خلت وأقفرت يقول [5] :
لمنِ الدّيارُ بقنّا الحِجْرِ ... أقويْنَ من حجَجٍ ومِنْ شهَر
(1) عنترة، الديوان، ص 210.
(2) السابق، ص 132.
(3) السابق، ص 14.
(4) السابق، ص 253.
(5) زهير، الديوان، ص 114.