الصفحة 17 من 17

ويصورها في موضع آخر أو في موقف آخر بأنها (غير مقوية) بلفظٍ يطابق الأول طباقًا سلبيًا تمامًا، ليؤكد ما ذهبت إليه من اختلاف صورة الأطلال وتنوعها عند الشاعر الجاهلي نفسه يقول [1] :

دارٌ لأسماءَ بالغَمريْن ماثلةً ... كالوَحْي ليس بها من أهِلها إرَمُ

وقد أراها حَديثًا غيرَ مُقْويةٍ ... السِرُّ منها فوادِي الحًفْر والهدم

ولعل قوله (وقد أراها) ، يشير إلى نفسية الشاعر وتجربته الخاصة نحو تلك الديار فهو الذي يراها هكذا، وقد يراها غيره على غير الصورة التي رآها هو. أما لبيد، فيراها مرة بأنها قد عفت [2] :

عَفت الديار مَحَلّها فمُقامُها ... بِمنىً تأبدّ غَوْلُها فرِجامُها

ويصورها أو يراها مرة أخرى بأنها قد خلدت [3] :

خلَدتْ ولم يُخلد بها من حلَّها ... وتبدّلت خيطًا من الأُُحْدان

ولم يقتصر التنوع في صورة الأطلال على صورة الأطلال الكلية، بل ظهر التنوع في مكونات الصورة وأبعادها أو جزئياتها، ومن أمثلة ذلك صورة النوئ، الذي جاء في أكثر من صورة عند كثير من الشعراء الجاهليين، فالنوئ عند النابغة"أثلم"يقول [4] :

رمادٌ كًكُحل العينِ لأيا أُبنِتُه ... ونؤئىٌ كجِذم الحَوْض أثْلَم خاشِعُ

أما عند عمرو بن قميئة فقد بقيت معالم النوئ وخطه، يقول [5] :

تبينُ رمادَها ومخطُّ نُوئ ... وأشعثَ ما ثِلا فيها ثَويّا

وأما عند زهير، فالنوئ لم يتثلم، وهي صورة تقابل تمامًا عبارة النابغة"أثلم"بمعنى أن نوئ زهير لم يتعرض لأدنى درجات التغيير، بعد مرور زمن طويل"عشرين حجة" [6] :

أثافي سَعْفًا في معرّسِ مرجَلٍ ... ونؤيًا كجذمِ الحوضِ لم يَتثلّم

إن صورة النوئ الذي لم يلحق به أي تغيير أو هدم، هي الصورة التي يتوق إليها زهير لقبائِل العربِ التي تحاربَت وفني منها كثير، فهو يريدُ لبلاد العرب البقاء والخلود وعدم الفناء، تمامًا مثل صورة النوئ الذي لم يتثلم، ومن الغريب أن المرحوم نصرت عبد الرحمن، وهو من

(1) السابق، ص 101.

(2) لبيد، الديوان، ص 297.

(3) السابق، ص 140.

(4) النابغة، الديوان، ص 30.

(5) عمر بن قميئة، الديوان، ص 88.

(6) زهير، الديوان، ص 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت