وقفتُ بها حَتّى تَعالى لِي الضّحى ... لأخبرَ عنها إنني لسؤُولُ
ثم يقول في هجاء ابن سيار الفزاري مباشرة [1] :
فإن تحسَبُوها بالحجاب ذليلةً ... فما أنا يَومًا إن ركبتُ ذليل
فإن شئْتُم عَدنْا صَديقًا وعُدْتُم ... وإما أبيتُمْ فالمُقامُ زَحُولُ
وأرى أن مشاعر الحادرة في تصوير الأطلال منسجمة مع مشاعره في الهجاء، ففي الصورتين أدبار الديار وأفولها، وفي الهجاء أدبار الوّد وانقطاع العلاقة بينه وبين المهجو.
ولا تقلّ قصائد أخرى عن قصيدة الحادرة من حيث الخروج على التقليد الذي أكده ابن قتيبة ومن تابعة برأيه، فهناك أكثر من قصيدة للنابغة بدأها، بمقدمة طللية تبعها بأبيات في الرثاء، مثل قصيدته التي رثى فيها النعمان بن الحارث الغساني بدأها بقوله [2] :
دعاكَ الهَوى واستجهلَتكَ المنازلُ ... وكَيْفَ تصابي المرءِ والشّيْبُ شَامل
وقفتُ بربْعِ الدّارِ قد غيّر البِلى ... معارفها والسارياتُ الهواطِل
ثم رثا النعمان بقوله [3] :
فإنْ تَكُ قد وَدّعت غير مُذمّم ... أواهي مُلْك ثَبتّتها الأوائِلُ
فلا تَبعدَنْ أن المنيةَ موعِدٌ ... وكلّ امرئٍ يَوماُ بهِ الحَالُ زائِل
ومثله قصيدة لزهير (في رثاء سنان المري) بدأها بتصوير الأطلال بقوله [4] :
لسلمىَ بشرقيّ القنان منازلُ ... ورسَمَ بصحراء اللُبيّيّن حائلُ
عَفا عام حلّت صَيْفُه ورَبيعُه ... وعامٌ وعام يتْبع العامَ قابلُ
ثم رثى المرثى بقوله [5] :
تَراه إذا ما جئته مُتهللًا ... كأنّك تعطيهِ الذي أَنت سائِلُ
أحابي به ميتًا بَنخْلٍ وأبتَغي ... إخاءَكَ بالقولِ الذي أنا قائِلُ
وواضح أن مشاعر الحزن الذي يظهرها الشعراء في رثائهم، يتناسب مع صورة الأطلال التي عفت أو التي غيرتها الأيام، فبدت باهتة مقفرة، تخلو من الحركة والحياة،
(1) السابق، ص 100، 101.
(2) النابغة، الديوان، ص 115.
(3) السابق، 120، وانظر: ص 125.
(4) زهير ابن سلمى، الديوان، ص 263.
(5) السابق، ص 267.