فعلينا أن نحصن شمالنا وشرقنا وغربنا، ما هي إلا أيام حتى تصل جحافل الأعداء، وضع المسلمون خط رباط قوي، ألا وهو حفرة تمتد من الشرق إلى الغرب مرورًا بالشمال، أتى ذلك الزحف إلى المدينة، فإذا بالصحابة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضعوا نقاط الرباط متقدمة خارج المدينة، ووضعوا جيشًا للحفاظ على النساء والأطفال، وقف المشركون (قريش وغطفان) وغيرهم أمام الخندق، وأمام نقاط الرباط القوية؛ فقرروا الحصار، بدأ الحصار يشتد، وجدوا ثغرات ضعيفة في الرباط والخندق، فاقتحم ابن عبد ود، وتجاوز الخندق، وبارز وقاتل، وقتل من المسلمين، اشتدت الحال ضعفت النفوس، ضعف الإيمان، صار بعض الناس يقولون: أين المهرب؟ إنا مقتولون لا محالة، وجزء يقولون: إن الله معنا فلا تحزنوا .. والأمر يزداد والجوع يشتد، والحصار يزداد ضراوة وصلابة، أرسلت تلك الحملة رسولًا إلى الجهة الجنوبية الآمنة، وكان في الجنوب يهود، {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} [البقرة:100] ، كان هنالك عهد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود، فلم يضع رباطًا بينه وبينهم.
آآآآهٍ من الإشاعات:
أرسلت الحملة البربرية إلى اليهود: كونوا معنا وانقضوا العهد؛ حتى نطبق على أهل المدينة من الجهات الأربع، قال اليهود: لا، إذا هُزِمتم؛ سيلتفّ علينا محمد صلى الله عليه وسلم، ويستأصلنا.
قالوا: نعطيكم عهدًا أن لا نبرح مكاننا حتى نستأصل خضراء الإسلام .. وافق اليهود، بدأت تتسلل الإشاعات ..
آهٍ .. ثم آهٍ .. من الإشاعات.
بدأت تتسلل الإشاعات وتُثبِّط من معنويات الناس، وتُحبط، وتقول: قُضي الأمر، جمعونا هنا؛ ليقصفونا، ليحرقونا، ليبيدونا.
أراد النبي صلى الله عليه وسلم التثبت، فأرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ..
واسمعوا أيها الإخوة.
أرسلهم إلى يهود، قال: «اذهبوا إلى يهود، قولوا: هل أنتم على العهد؟ .. ولكن» .. اسمعوني يا إخواني .. «ولكن؛ إن كان اليهود قد نقضوا؛ فلا تخبرني أمام الناس» ، لا تنشر هذا الكلام حتى لا تتزعزع المعنويات، حتى لا يضعف الناس، «وإن كانوا على العهد؛ فصرّح بذلك بصوت عالٍ» .