الصفحة 83 من 94

أبناء هذه القبائل، وقد حذر الجنرال حميد جل رئيس الاستخبارات العسكرية السابق الجيش الباكستاني قبل سنوات من مغبة معاداة القبائل البشتونية واستعدائها، لأن معنا ذلك هو دخولهم بحرب ليس لها نهاية مع من ألف القتل والقتال.

العامل الثالث: الفقر والجوع الذي يضرب البلاد حيث أن ما يقرب من 42 مليونا يعيشون تحت خط الفقر، ومن المعلوم أن المواطن العادي الذي لا يجد في الدولة ما يسد حاجاته الأساسية من مسكن ومطعم وعلاج يفقد الانتماء الوطني لهذا البلد الذي يحيى فيه، وهذا الفقر والعوز ينمي الدوافع الكامنة في الثورة في أحسن الأحوال، وفي أسوئها قبول أي حكم حتى لو كان حكمًا هندوسيًا.

العامل الرابع: النزعة الانفصالية التي بدت تدب في أوصال الأقليات الناقمة على العنصر البنجابي المستحوذ على خيرات البلاد، والمستفيد الوحيد من بقاء باكستان كدولة بكيانها الحالي، فهناك البلوش المطالبين بإقامة دولة خاصة بهم وقد عقدوا المؤتمرات للتعبير عن مشاعرهم بالانفصال، وهناك المهاجرون من الهند الذين يشكلون ما يقرب من نصف سكان السند، وهناك البشتون المطالبون بالعودة إلى الوطن الأم أفغانستان، ولا شك أن عدوتها الأبدية الهند تدفع بهذا الاتجاه من أجل تفكيك البلاد ومن ثم ابتلاع ما تبقى منها أي إقليمي البنجاب والسند.

ماذا بقي لباكستان من عوامل البقاء:

بناءً على ما تقدم ذكره نستطيع أن نقول: أنه لم يبق لباكستان من عوامل البقاء في ظل هذه السياسة التي انتهجها أرباب الحكم فيها سوى قوة الجيش، ومؤسساتها الأمنية المتمثلة بـ isi وهذه القوة الباطشة التي تُخضع الأقاليم لحكم البنجاب بقوة السيف بدأت بالتلاشي والاضمحلال بفعل استعدائها لقومية البشتون وطليعتهم المقاتلة الطالبان، وخوضها حربًا لا فائدة منها سوى فقد الهيبة، وتجرئ الناس على الجيش الذي كان مقدسًا لوقت قريب، حيث تذهب ثلاثة أرباع الناتج القومي الباكستاني في سبيل خدمته والمحافظة عليه، والتاريخ يقول أنه لم تدخل دولة ما حربًا طويلة الأمد وخرجت منها منتصرة، وخاصة إذا قاتلت خصمًا عنيدًا صاحب عقيدة يتبع أسلوب حروب العصابات القائمة على الاستنزاف المادي والبشري والمعنوي للطرف الآخر.

وعامل البقاء الآخر - وإن كان محدود التأثير - المتبقي هو الدعم الغربي النصراني لهذه الدولة للحيلولة دون سقوطها وتمزقها، ولكن يبقى هذا العامل مرهونٌ ببقاء"الإرهابيين"فإن ذهب الإرهابيون ذهب معهم الوجود الباكستاني من الخريطة.

المعادلة الخاطئة:

راهن الساسة الباكستانيون في الحرب الكونية الرابعة"الحرب على الإرهاب"على الوقوف مع الصليبية التي تقودها الولايات المتحدة، وظنوا بذلك أنهم يرتكبوا أهون الشرين، لأن البديل عن الوقوف إلى جانب الصليبية هو الوقوف مع المجاهدين، وهذا يعني بالنسبة لباكستان كما يزعمون العودة بباكستان إلى العصر الحجري، وتجريدها من قوتها النووية كما هدد بذلك الأمريكان، والحقيقة التي لا يشوبها الوهم أن أمريكا لم يكن بمقدورها أكثر من فرض حصار اقتصادي كان مفروضًا بطريقة أو بأخرى على باكستان قبل الحادي عشر من سبتمبر، وورقة الهند واللعب فيها في ذلك الوقت كانت مستبعدة لامتلاك باكستان الرادع النووي.

وأيًَّا كان الأمر فلم يدر بخلد العسكر الباكستاني الحاكم في إسلام آباد تبعات هذا الموقف على المدى المتوسط والبعيد، وربما كانوا يدركوا - وهو غالب الظن عندي- تبعات هذا الموقف من الناحية الإستراتيجية على الوجود الباكستاني على خارطة العالم، فالطالبان والعنصر البشتوني المكون لها في الأغلب هم الظهر والعمق الاستراتيجي لباكستان بغض النظر عن النظرة الطالبانية بكفر الدولة الباكستانية أقصد حُكامها.

نعم راهن الباكستانيون على ارتكاب أهون الشرين حسب اعتقادهم الخاطئ من الناحية الشرعية والسياسية ووقفوا مع الصليبيين، ولو اقتصر الأمر على ذلك ظنًا منهم أن ما حلَّ بالسوفيات من قبل وما حلَّ بالأمم التي غزت أفغانستان هو ما سيحل بالولايات المتحدة الأمريكية مع الأيام، لمعرفتهم بطبيعة الشعب والأمة الأفغانية لكان بنظرهم ارتكاب أهون الشرين - مع رفضنا لذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت