ذاقوا ولا مناص، وإني إخال سوريا سائرة على خطاها طالت الأيام أم قصرت، واليمن أقرب من ذلك بعون الله رغم كيد حكام الحجاز ونجد.
إن الثورة التي تذهب بظالم وتأتي بآخر ليست بثورة كاملة ولا تسمى ثورة، وإنما هي غضبة على الجلاد سرعان ما تهدأ وتستكين مع غياب وجه الظالم، ويرجع الظلم يضرب من جديد؛ فجذوره ما زالت تنمو وإن لم يرها قاصرو النظر، وإن كان إزالة الظالم أمرًا محمودًا في ذاته ومطلوبًا شرعًا وعقلًا.
يجب أن نتعقل الثورة كما نتعقل الحرب, ليس هناك شيء دون مقابل، إن الثورة -أي ثورة- حتى تنجح وتؤتي أكلها فلا بد من أن تبذل من دماء أبنائها الغالي والرخيص، إن ثمن الحرية جد عزيز وثمنها الدماء والأشلاء والصبر حتى الموت.
والحرية التي ننشدها ونسعى لها هي أن نكون عبادًا لله لا نعبد سواه، يخضع لحكمه الجميع, عندها فقط يتساوى البشر تحت ظل حكمه، فالحرية هي الانعتاق من عبودية العباد والدخول في عبادة الإله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، هذه هي الحرية وهذه هي حقيقتها لمن يعقل.
إن الظلم حين يبلغ أقصى مداه ولا يبقى للإنسان ما يخسره عندها ينتفض على جلاديه, فإما أن ينال الذي يريد أو تلفظه الحياة, فبطن الأرض يومئذ خير من ظهرها.
لقد تميزت الثورات الأوروبية على مدار الزمان بأنها تأخذ المستبد الظالم من حكامها أخذًا لا تبقي معه ولا تذر، فهي تقلعه من جذوره فلا تبقي مستبدًا أو ظالمًا أو ركنًا من أركان الظلم أو حتى جنديًا من أعوان المستبد الأكبر إلا أتت عليه وجعلته عبرة لمن يعتبر، فهذه الثورة الفرنسية فاتحة الثورات الأوروبية التي يتشدق بها الغرب ماذا فعلت بالملك لويس السادس عشر والنبلاء والأشراف وكبار رجال العصر الملكي الفرنسي؟ لقد حملت رؤوسهم على أسنة الرماح وأحرقتهم أحياء.
وهذه الثورة البلشفية الملحدة في روسيا أتت على عشرات الملايين من أنفس البشر حتى استكملت شروط النجاح، بغض النظر عن ماهيتها هي وسابقتها في الكفر الثورة الفرنسية.