فكيف وهو استضعافٌ في الدين وفتنةٌ عنه؟ قال ابن جزي المالكي في القوانين ص172: (يجب استنقاذهم من يد الكفار بالقتال فإن عجز المسلمون عنه وجب عليهم الفداء بالمال) .
وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في أحكام الجهاد وفضائله 97: (إنقاذ أسرى المسلمين من أيدي الكفار من أفضل القربات، وقد قال بعض العلماء:"إذا أسروا مسلما واحدا وجب علينا أن نواظب على قتالهم حتى نخلصه أو نبيدهم"، فما الظن إذا أسروا خلقا كثيرا من المسلمين؟) اهـ
وقال الرمليُّ في نهاية المحتاج 5/ 59: (ولو أسروا مسلمًا فالأصحُّ وجوب النهوض إليهم وجوبَ عين -ولو على نحو قن بلا إذن- لخلاصه إن توقعناه، ولو على ندور في الأوجَهِ، كدخولهم دارنا بل أولى؛ إذ حرمة المسلم أعظم) اهـ مختصرًا.
ولحديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فكوا العاني) رواه البخاري.
وقد قال تعالى في ذمِّ بني إسرائيل: (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) .
قال القرطبي في تفسيره 2/ 22 - 23: (قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال:(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ) وهو التوراة (وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) .
قلت [القرطبي] : ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن، فتظاهر بعضنا على بعض، ليت بالمسلمين، بل بالكافرين! حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
قال علماؤنا: فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد.
قال ابن خويز منداد: تضمنت الآية وجوب فك الأسرى، وبذلك وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع. ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين) اهـ