وهذا الوجوب فرض كفاية، إن لم يقم به من يكفي لتحقيقِه من المسلمين - مع القدرة- أثم القادرون جميعًا، سواء كانت هذه القدرة بفعلِ أحدِهم مستقلا، أم بفعله مقرونًا بفعلِ غيرِه، كأن يُعلَم أنها تُفكُّ بقتالِ رجلين من المسلمين، أثمَ كل قادرٍ على القتال بنفسِه إن وُجِدَ غيرُه تحقُّقًا أم غلبةَ ظنٍّ، قال ابن بطال في شرح البخاري 5/ 210: (فكاك الأسير فرض على الكفاية، لقوله صلى الله عليه وسلم:(فكوا العاني) ، وعلى هذا كافة العلماء) اهـ، ونقله عنه الحافظ في الفتح 6/ 167، وقال: (وبه قال الجمهور) اهـ.
وهذا الوجوب متضمَّنٌ في دلالةِ الأدلةِ السابقةِ؛ لأنَّ إنقاذ الأسيرِ من صور النصرةِ المأمورِ بها، قال النووي في شرح صحيح مسلم في كلامه على حديث المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله 16/ 120: (وأما لا يخذله، فقال العلماء: الخذل ترك الإعانة والنصر، ومعناه: إذا استعان به في دفع السوء ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي) ، ومن أعظم السوء الذي يلزم دفعُه: الأسر والفتنة في الدين.
وأذكرُ في هذا الموضعِ ما يتيسُّرُ من الأدلةِ التي تدلُّ على المسألةِ بخصوصِها، أو ما فيه بيانُ بعض وسائلِ النصرةِ.
فمِن ذلك قولُه تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) فهو - في الفتنة- عامٌّ، والأسرُ فتنةٌ للمسلمة يوجبُ القتالَ لمنعِها، وكذلك الأسرُ ظلمٌ وعدوان يوجِب العدوان عليهم بالقتال.
وقوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) فيه وجوب الاقتصاص لحرماتنا، والمماثلة في الاعتداء، بأسرِ مَن يفادى مِنهم -أعني أهل الحرب- بأسرانا عندهم، ويشهدُ لهذا المعنى فعلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كما عند مسلم من حديث عمران رضي الله عنه، أنَّ ثقيفًا أسرت رجلين من الصحابةِ، فأسر الصحابةُ رجلا من بني عقيل -حلفاء ثقيف-، فأتى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو موثقٌ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا محمد، بم أخذتني؟) فقال: (أخذتُك بجريرة حلفائك ثقيف) .
ومن ذلك قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) ، والأسر من أعظم الاستضعاف، خاصةً إن كان للنساءِ، فهو موجب للقتال،