أي مجتمع ديمقراطي محترم يجب ان يقوم على مبدأ"موافقة ورضي المحكوم". لقيت هذه الفكرة قبولا عاما، لكن يمكن تحديها، اما لكونها قوية جدا او ضعيفة جدا - قوية جدا لأنها توحي بأن الشعب يجب أن يحكم ويسيطر عليه، وضعيفة جدا لأن اشد الحكام فسارة ووحشية في حاجة إلى نوع من"موافقة ورضي المحكوم"، والحصول عليهما عموما، وليس بالقوة فقط.
ما يهمني هنا هو كيفية معالجة المجتمعات الأكثر حرية وديمقراطية لهذه القضايا. حاولت القوى الشعبية، عبر السنين کسب نصيب اكبر في ادارة الأمور، فحققت بعض النجاح الى جانب الكثير من الهزائم، وتم في الوقت ذاته بلورة مجموعة من الأفكار ذات الدلالة لتبرير مقاومة النخبة للديمقراطية. واولئك الذين يأملون في فهم الماضي وتكييف المستقبل يحسن بهم ان يولوا اهتماما دقيقا ليس للتطبيق فحسب بل ايضا للاطار المبدئي الذي يدعمه.
جرى التصدي لهذه القضايا قبل 200 عاما من قبل ديفيد هيوم (1) في عمل کلاسيكي. استهوي هيوم"السهولة التي يجري فيها حكم الكثرة من قبل القلة"، الخنوع الضمني الذي يسلم به الرجال"مصيرهم لحكامهم". فوجد ذلك مثيرا للدهشة والعجب
، لأن"القوة تكون دائما الى جانب المحكوم". لو ادرك الناس ذلك الانتفضوا واطاحوا بأسيادهم. وخلص الى ان الحكومة قائمة علي التحكم بالرأي، وهو مبدأ"ينسحب على اشد الحكومات استبدادا وغالبية الحكومات العسكرية وكذلك على اكثرها حرية وشعبية".
(1) ديفيد هيوم (1711 - 1779) ، فيلسوف و مورخ اسكتلندي. مؤسس المذهب الظاهري في الفلسفة، يعتبر من اهم فلاسفة عصره الذين مارسوا تأثيرا على الفكر السياسي، من اهم مولفانه مقالات حول الفهم الإنساني"- المترجم"