الصفحة 45 من 299

أولا في غرب أوروبا ثم في اليابان وكذلك في كوريا الشمالية وتايوان. وبدا المبرر هذا الجهد واضحا: فيه فائدة كل هذا التفوق الإنتاجي الساحق إذا لم يستطع باقي العالم أن يحشد الطلب الكافي؟ وبالإضافة إلى ذلك فقد ساعدت إعادة البناء الاقتصادي على فرض التزامات شرائية من جانب الدول المتلقية للمعونات الأمريكية؛ وعزز هذا الشعور بالالتزام الاستعداد للدخول في تحالفات عسكرية ومن ثم، وهو الأهم، في تبعية سياسية.

ولا يجدر بنا أخيرا أن نغض من قيمة العنصر الإيديولوجي والثقافي للهيمنة الأمريكية، ولعل الحقبة المباشرة بعد 1945 كانت تاريخيا هي ذروة شعبية الإيديولوجيا الشيوعية. ونحن ننسي بسهولة اليوم الأعداد الكبيرة من الأصوات التي حصدتها الأحزاب الشيوعية في انتخابات حرة في بلدان كبلجيكا وفرنسا وإيطاليا وتشيكوسلوفاكيا وفنلندا، ناهيك عن الدعم الذي تلقته الأحزاب الشيوعية في آسيا - في فيتنام والهند واليابان - وكل أنحاء أمريكا اللاتينية، هذا دون احتساب مناطق كالصين واليونان وإيران حيث لم تجر انتخابات حرة أو أنها كانت مقيدة ومع ذلك كانت الأحزاب الشيوعية تتمتع بجاذبية واسعة. وردا على ذلك شنت الولايات المتحدة هجوما إيديولوجيا واسعا مناهضا للشيوعية. وإذا عدنا بذاكرتنا إلى الماضي تبدو لنا هذه المبادرة ناجحة إلى حد بعيد: فقد روجت واشنطن لدورها زعيم «العالم الحره بالقدر نفسه من الفاعلية التي روج بها الاتحاد السوفيتي لموقفه زعيما للمعسكر القوى التقدمي» و» المناهض للإمبريالية». .

وأدى نجاح الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في حقبة ما بعد الحرب إلى خلق ظروف اضمحلال هيمنتها، وقد تجسدت هذه العملية في أربعة رموز في الحرب في فيتنام وثورات 1968 وانهيار جدار برلين في عام 1989 ثم الهجمات الإرهابية في سبتمبر عام 2001. وينبني كل رمز تأسيسا على ما سبقه ليصل الأمر في ذروته إلى الوضع الذي تجد فيه الولايات المتحدة نفسها حاليا قوة عظمى وحيدة تفتقر للنفوذ الحقيقي، وقائدا عالميا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت