الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى الأنبياء والرسل أجمعين، وبعد:
يخلط البعض بين مداهنة الأعداء وسياسة تحييد الأعداء والخصوم وتجده يستدل ببعض الأحداث من سيرة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه فينزلها على ما يظنه تحييدا للأعداء وليس هو كذلك فيلبس على المجاهدين أمرهم
فلهؤلاء نقول ولأحبتنا وإخوتنا نوضح ونبين فنقول وبالله التوفيق ومنه العون السداد:
إن تحييد ما أمكن من الإعداء ضمن حدود الشرع وضوابطه وتفريغ الجهد والطاقات والرجال للعدو الأشد خطرا وأوجب دفعا وقتالا سياسة شرعية وهدي نبوي كما دلت على ذلك سيرة نبي الله صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم أجمعين
وهذا التحييد للأعداء يكون بتجنب المواجهة ما أمكن أو التسرع بها مع الأعداء الاقل خطرا وتهديدا للإسلام وأهله من غيرهم مع الحفاظ على الدين وثوابته وأصوله وعدم التفريط بها لأجل تحييدهم وتجنب مواجهتهم وقصة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غطفان يوم الخندق واضحة الدلالة على ذلك ...
وأما بذل الدين وثوابته أو أصوله والتنازل عنها من أجل تحييد خصم أو تحقيق مكسب أو فتح مكتب فهذا ليس من تحييد الخصوم المشروع ولا من هدي رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ونهج أصحابه الكرام -رضي الله عنهم- ومن سار على نهجهم بل هذه مداهنة مذمومة وسياسة جاهلية قال تعالى (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون)
قال امام المفسرين الإمام الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية (23/ 534) :
(وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ودّ هؤلاء المشركون يا محمد لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم، فيلينون لك في عبادتك إلهك، كما قال جلّ ثناؤه:(وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) وإنما هو مأخوذ من الدُّهن شبه التليين في القول بتليين الدُّهن.)