وقال الإمام الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في فتح الباري (17/ 180) : (وقال القرطبي: في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك من الجور في الحكم والدعاء إلى البدعة مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى. ثم قال تبعا لعياض: والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا، وهي مباحة، وربما استحبت، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته ومع ذلك فلم يمدحه بقول فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق، وفعله معه حسن عشرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد الله تعالى.) أهـ.
وعلماء وقادة الحركة الجهادية -والفضل لله وحده- أساتذة في باب تحييد الخصوم وتحقيق النظر في المصالح والمفاسد وفق الأسس الشرعية كما بين ذلك الشيخ عطية الله -تقبله الله- في إجابته على سؤال في لقاء مركز اليقين حول اتهام المجاهدين -ولا سيما تيار «السلفية الجهادية» ، أو لنقل تيار «القاعدة» - بأنهم منحصرون على معتنقي منهجهم، ويستعدون عليهم أهل المناهج والإيديولوجيات الأخرى، فيكثرون من فتح الجبهات عليهم ولا يجيدون تحييد الخصوم، ولا يحققون النظر جيدًا في مسألة المصالح والمفاسد وموازينها، ما تعليقكم على هذه الاتهامات؟!
فقال الشيخ عطية الله -تقبله الله-: (والله يا أخي أعتقد أن هذا الكلام فيه ظلم وبغي على الإخوة المجاهدين من «القاعدة» ومَن سار على نفس خطهم من أهل الجهاد، بل أنا والله أؤكد لك أن الإخوة المجاهدين هم أساتذة تحييد الخصوم، وهم من أفهم الناس لهذه المسائل: محاولة تحييد ما استطاعوا من الخصوم والأعداء، والتحكم في المقدار المناسب من الجبهات المفتوحة، وإغلاق ما يلزم إغلاقه، وتحقيق النظر في موازين المصالح والمفاسد، هذه الأشياء هي من صميم فقه الإخوة المجاهدين وهم من أعرف الناس بها وأفقههم فيها، وإنما يجهل هذا من يجهلهم، والله خلق الناس أطوارًا.! .... ) المجموعة الكاملة 2/ 618
وقال شيخنا المقدسي -حفظه الله- في بيان هذه المسألة:
(وضوح الهدف لا يعني قتال جميع الكفار على اختلاف توجهاتهم وجبهاتهم دفعة واحدة منذ البداية ...
فالبداءة بالأهم فالأهم والأخطر فالأخطر والأقرب فالأقرب أمر مقرر في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وقد قال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) ولكن الأمر المهم الذي لا يرغب بأن يستوعبه كثير من الناس، أن عدم قتال صنف من الأعداء أو الكف عنهم أو مهادنتهم في مرحلة من المراحل، لا