فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 459

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فإن أعداء المجاهدين يتعاملون معهم دائمًا بسياسة الأرض المحروقة، فلا يكاد المجاهدون يسيطرون في بقعة من الأرض أو مدينة من المدن حتى يقوم عدوهم بدكّها بالطائرات ورميها بالقاذفات التي لا تميز بين ذكر وأنثى، أو صغير وكبير ..

وهم بذلك يريدون توصيل رسالتين:

الرسالة الأولى موجهة إلى المجاهدين، ومضمونها: إما أن تغادروا المدينة وإما أن تُحطَّم على رؤوسكم ..

والرسالة الثانية موجهة إلى عامة الناس، ومضمونها: كل مدينة يسيطر عليها المجاهدون سوف تتحول إلى دمار، فإن أردتم سلامة مدنكم فلا تسمحوا لهم بالسيطرة عليها ...

وحتى يكون راسخًا في أذهان الناس أن المجاهدين لا يسيطرون على بلدة إلا تحوَّلت إلى خراب!

لكن المجاهدين ظلوا دائمًا حريصين على سلامة المدن وأهلها حتى ولو كلفهم ذلك الانسحاب منها والتخلي عن أماكن نفوذهم وسيطرتهم، وهذا هو ما فعلته طالبان عندما انسحبت من المدن في بداية الغزو الأمريكي لأفغانستان.

وهو ما فعله المجاهدون في مالي عندما تدخلت فرنسا بجيشها وأحلافها وأتباعها.

وهو ما فعله الشباب المجاهدون في الصومال في انسحاباتهم المتكررة من بعض المدن.

إن التطور الرهيب في الآلات الحربية وسهولة تدمير المدن في الحروب المعاصرة يجعل عملية الصراع على مدينة ما غالبًا ما تكون شبيهة بنزاع شخصين على عصفور صغير كل منهما يمسك بجناحه ويشده إليه!

فأكثرهما رحمة به سيكفُّ عن شده ويتركه لخصمه ..

ومثل هذا ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود -عليهما السلام- فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما. فقالت الصغرى: لا، -يرحمك الله- هو ابنها. فقضى به للصغرى) .

إنه صراع يظهر من خلاله أي الخصمين أكثر انتماءً لهذه المدينة، وأيهما أكثر حرصًا على سلامة أهلها ..

وهذا المعنى هو الذي أشار إليه المجاهدون في أنصار الشريعة باليمن في بيانهم المتعلق بانسحابهم من حضرموت، حيث قالوا:

"أيها الأحبة في ساحل حضرموت عامة، وفي مكلا الخير خاصة: إننا لم ننسحب إلا تفويتًا للفرصة على العدو في نقل المعركة إلى بيوتكم وأسواقكم وطرقكم ومساجدكم، فهؤلاء لا يرقبون في مؤمن إِلًّا ولا ذمة، فها هم في بداية الأمر قاموا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت