فهرس الكتاب
الإعلام
بالفرق بين
"تنظيم الدولة"و"دولة الإسلام"
للشيخ / أبي المنذر الشنقيطي
حفظه الله
نُخْبَةُ الْفِكْرْ
محرم 1437 ه - أكتوبر 2015 م
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.
لقد فقد الجهاد في العراق نقاءه وجاذبيته؛ بسبب الخروج على الشرع، وعدم الإصغاء لأهل العلم، وانعدام السياسة الحكيمة، فالبغدادي الذي رفض التبعية لقادة الجهاد ورموزه واستغنى عن خبرتهم التي تراكمت عبر عقود من الزمن، جعل من ساحة الجهاد في العراق والشام مدرسة يتعلم فيها على طريقة"جرب حظك".. ! وها هو الجهاد يدفع ثمن أخطاء تعلمه وتجاربه.
أشياء كثيرة توفرت للبغدادي لو توفرت لرجل مجرب مخلص لصَنع الكثير من الانتصارات لهذه الأمة، لكن البغدادي يحرق الكثير من طاقات الأمة ولا يبالي!
كل الشروط والظروف كانت متوفرة لنشأة دولة إسلامية في العراق تكون امتدادًا للإمارة الإسلامية في أفغانستان:
-الأرض
-والشعب
-والمقدرات
-والظروف الاجتماعية
-والحالة السياسية
ومع كل هذه العوامل التي تهيأت لجماعة البغدادي فإن قادتها ما زالوا يتصرفون كما لو كانوا يقودون جماعة صغيرة ليس لها أي مقدرات! بل إنهم يوظفون كل هذه الطاقة في الهدم لا في البناء! لو أن عشر هذه الإمكانات تُوفر لقيادة حكيمة لصنعت بها المعجزات.
لقد كان من الأولى أن تستخدم هذه الطاقات في بناء أسس الدولة وتقويتها لا أن تهدر في تشييد ناطحة سحاب فوق سطح المياه، والنتيجة أن هذه القيادة المخدوعة ببعض الانتصارات أصبحت كالمقامر الذي يربح في بداية اللعبة كل شيء ثم يجد نفسه في نهايتها قد خسر كل شيء.
فرق كبير بين من يصنعون الدول من العدم، ومن يحولون وجودها إلى عدم.
بعد خروجها على قادة الجهاد ورموزه أصبحت جماعة البغدادي كصِبية طردوا أمهم وأباهم من المنزل، وشرعوا في تدبير أمورهم بكل عبث وصبيانية في ظل غياب الأبوين.
كل شيء في الدولة أصبح صبيانيًا بعد تفرد هؤلاء بها:
-إعلان الدولة
-وإعلان الخلافة
-وإعلان المعارك
أهم ما ينقص تنظيم الدولة اليوم هو القيادة الحكيمة، فالقيادة الحالية المسيطرة قيادة تهدم ولا تبني، وتفسد ولا تصلح، ولا تعلم، ولا تريد أن تتعلم.
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
بل جعلت هذه القيادة نفسها في مقام المرشد والموجِّه بعد أن رفضت كل توجيهات المرشدين.
وقد قيل: تجارب المتقدمين، مرايا المتأخرين، كما يبصر فيها ما كان، يتبصر بها فيما سيكون.
والشاعر يقول:
والدهر آخره شبهٌ بأوله ... ناسٌ كناسٍ وأيامٌ كأيام
لكن السياسات الخاطئة لتنظيم الدولة لا تقف عند تجاهل القادة وأهل العلم والخبرة فحسب، بل وصل بها الأمر إلى تجاهل المنهج السياسي للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومخالفته في الكثير من القضايا والمسائل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إمام في السياسة ويجب أن يقتدي به في هذا الباب أيضًا، وقد قال أبو العتاهية:
ومحمدٌ لكَ إن سلكتَ سبيلَهُ ... في كل خيرٍ قائدٌ وإمامُ
ونضرب هنا بعض الأمثلة لمخالفة تنظيم الدولة للمنهج السياسي للنبي - صلى الله عليه وسلم:
(المثال الأول)
لا بد لمن يريد بناء دولة أن يشعر بالفرق بين الدولة والتنظيم، ولا بد له عند الدخول في طور بناء الدولة أن يتعامل مع الآخرين بأساليب الدولة ويطوي صفحة أساليب التنظيم.
وإنك لترى الفرق واضحًا بين الأسلوب الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعامل به مع قريش في بداية الأمر عند قدومه للمدينة، والأسلوب الذي انتهجه بعد شروعه في تأسيس دولة الإسلام؛ حيث كان يَغِير على قوافل قريش ويعترض عِيرهم، لكنه بعد شروعه في تأسيس الدولة عقد مع قريش اتفاقية هدنة ومسالمة يأمنون فيها على تجارتهم وقوافلهم، بل تقتضي أن يسلم إليهم كل من هاجر إليه من المسلمين.
عن أنس -رضي الله عنه- قال: أن قريشًا صالحوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فاشترطوا عليه أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا؟ قال: (نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا) رواه مسلم.
وبالفعل سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم أبا جندل وهو يصيح في المسلمين: يا معشر المسلمين، أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟
وصالحهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يرجع إلى المدينة بدون عمرة مع أنه لبس الإحرام، ورأى المسلمون غضاضة شديدة في قبول هذه المعاهدة.
فجاء عمر بن الخطاب، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل؟
قال: بلى.
قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟
قال: بلى.
قال: ففيمَ نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟
فقال: (يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدًا) رواه مسلم.
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بحنكته وبُعد نظره ينظر إلى مآلات هذا الصلح وما فيه من عواقب محمودة إذا ما قورنت بالغبن الناجز.
ولهذا قال ابن القيم عن هذا الصلح:"وكان في الصورة الظاهرة ضيمًا وهضمًا للمسلمين، وفي الباطن عزًا وفتحًا ونصرًا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر رقيق) [زاد المعاد (3/ 275) ] ."
يقول مارسيل بوازار في كتابه [إنسانية الإسلام] :"وكما يُظهر التاريخ الرسولَ قائدًا عظيمًا ملء قلبه الرأفة، يُصوِّره كذلك رجلَ دولةٍ صريحًا قويَّ الشكيمة له سياستُه الحكيمة التي تتعامل مع الجميع على قدمِ المساواة وتعطي كلَّ صاحبِ حقٍّ حقَّه، ولقد استطاع بدبلوماسِيته ونزاهتِه أن ينتزعَ الاعترافَ بالجماعة الإسلامية عن طريق المعاهدات في الوقت الذي كان النصرُ العسكريُّ قد بدأ يُحالِفُه".
وربما كان التنازل طريقًا إلى الصعود، والتأخر وسيلة إلى التقدم.
وقد قال بشار بن برد:
إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئتَ وأي الناس تصفو مشاربه؟
لكن تنظيم الدولة برؤيته الضيقة للشرع والواقع يرى أن مجرد التفاوض مع الأعداء -دعك من التنازل- نكوصًا عن الدين وخضوعًا واستسلامًا للكافرين.
والتهمة الكبرى لطالبان عند أتباع تنظيم الدولة هي أنها تتفاوض مع الكفار!
أما أبطال تنظيم الدولة الأشاوس فلا يمكن أبدًا أن يتفاوضوا مع الكفرة!
وصدق المتنبي حين قال:
فقد يظن شجاعًا من به خرق ... وقد يظن جبانًا من به زمعُ!
والبغدادي الذي يبدو أنه انتشى فرحًا ببعض الانتصارات، بدأ يحرق الكثير من الطاقات في توسع دولةٍ لمّا يرسي دعائمها بعد.
ويمضي في سياسة تجذب هواة المغامرات والبطولات أكثر مما تجذب المكلومين بجراح الأمة.
هذا المنهج الذي اختطه تنظيم الدولة لنفسه جعل سياسته كلها"سياسة انتحارية"كأنه يقول على طريقة المقامرين: إما أن نربح كل شيء، أو نخسر كل شيء!
(المثال الثاني)
عندما تريد إنشاء دولة ستحتاج إلى معاهدة ومهادنة الكثير من الأطراف من حولك؛ حتى تتفرغ لمواجهة العدو الأشرس.
ولم يكن من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فتح الجبهات مع جميع الأعداء في وقت واحد، بل كان يهادن بعض الأطراف أو يغض الطرف عنهم؛ من أجل التفرغ لمواجهة آخرين، فمن أجل التفرغ لقتال قريش وصد هجماتها هادن النبي - صلى الله عليه وسلم - يهود المدينة مع أنهم كانوا يشنون حملات إعلامية شديدة لتشويه الإسلام والتصدي لانتشاره في المدينة، وغض الطرف عن كل مسلكيات المنافقين الذين كانوا يثيرون القلاقل والفتن بين المسلمين.
وها هو خالد بن الوليد حين كان يقود معارك الفتح في العراق يدخل في معاهدة الصلح مع أهل الحيرة -وكانوا مسيحيين- ومن ضمن بنود المعاهدة:"وجعلت لهم أيمًا شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعيِل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام"كتاب [الخراج لأبي يوسف (ص 144) ] .
ولهذا تقرر عند أهل العلم أنه يشرع لإمام المسلمين أن يبدأ بعرض الصلح على الكفار المحاربين متى رأى مصلحة في ذلك.
قال ابن القيم في ذكره للفوائد الفقهية المستفادة من صلح الحديبية:"ومنها: جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه، ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم" [زاد المعاد (3/ 265) ]
بل إن الصلح مع الأعداء إذا كان فيه مصلحة ضرورية للمسلمين أو قوة لهم وجب على الإمام السعي إليه، كما قال العلامة محمد مولود ولد أحمد فال اليعقوبي في نظم [الكفاف] :
وللإمام صلحهم وإن يكن ... فيه قوام فوجوبه قمن
لكن تنظيم الدولة فتح كل الجبهات على نفسه وعلى أهل السنة في وقت واحد، بل إنه يتفنن في تكثير الأعداء وتقليل الأصدقاء، ولديه قدرة خارقة على تجميع الكفار وتوحيد صفهم .. !
كنا نظن سيطرة جماعة الدولة ستكون رحمة على أهل السنة بعد ما نالهم من خطوب في ظل هيمنة الرافضة، لكن يبدو أن عناءهم لمّا ينتهِ بعد، فعليهم اليوم أن يصبروا على الأهوال التي ستحل بهم؛ بسبب سياسات قادة الدولة التي تستعدي الحجر والبشر.
لقد تحولت الحرب في ظل قيادة البغدادي من حرب مع الروافض والنصيرية، إلى حرب مع الطوائف كلها والعالم كله، وتحول أهل السنة من ضحية تسعى لرفع الظلم عنها، إلى متهمين بظلم الناس والاعتداء على سائر الملل والطوائف.
(المثال الثالث)
لم يكن من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - دخول المعركة مع الكفار في كل وقت وفي كل حين، بل كان يخطط للمعارك والحروب ويختار لها الزمان والمكان المناسبين ويرجئها إلى الوقت الأنسب، فكان يسعى لتجنب المعركة مع الكفار إذا كانت الظروف الميدانية غير مواتية.
بل كان - صلى الله عليه وسلم - يستعمل من يخذل عنه الأعداء ويفرق جمعهم بالحيلة والخدعة، كما فعل مع نعيم بن مسعود الأشجعي لما أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الأحزاب مسلمًا ولم يعلم به قومه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: (خذِّل عنا) أي: خذل الأعداء عن قتالنا.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لأصحابه أحيانًا: (أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا) رواه البخاري من حديث أبي هريرة.
لكن تنظيم الدولة يستفز العالم بسياساته كما تستفز الثيران بالراية الحمراء!
أي حماقة أعظم من تجييش العدو ضدك وتأليبهم عليك؟!
هل كان البغدادي يظن أن الغرب سيرونه يعلن خلافته ولا يحركون ساكنًا من أجل القضاء عليه؟
لماذا يذعرهم بهذا الإعلان الذي لا يعدو أن يكون فرقعة إعلامية يجعلها المتحمسون منهم لغزو بلاد الإسلام حجة أمام المعارضين لهم؟!
إن بعض المستشارين لأوباما ينتقدونه اليوم؛ لأنه لم يستجب لهم عندما نصحوه بالإبقاء على بعض الجيش الأمريكي وعدم الانسحاب بشكل كلي.
وها هو رئيس الأركان الأمريكي يتمنى لو أن أمريكا لم تنسحب أصلًا من العراق!
هذه المرة لم تأتِ أمريكا إلى العراق من تلقاء نفسها، بل إن سياسة البغدادي هي التي جرتها إلى الساحة جرًا، ولم تأت أمريكا وحدها بل جاءت دول الصليب كلها!
لقد بذل المجاهدون في العراق الكثير من التضحيات؛ من أجل إخراج الصليبيين من العراق، وها هو البغدادي يعيدهم إليه من جديد بسياساته الطائشة التي لم تترك لهم خيارًا.
خرجوا من العراق كارهين للحرب، نادمين عليها، لكنهم اليوم يعودون إليها نادمين على الخروج منها، وبحماس وإصرار شديدين.
بل أصبح تنظيم الدولة شماعة لمبررات التدخل في المنطقة، فكل من لديه أطماع يمكنه المجيء بحجة محاربة تنظيم الدولة.
وهكذا فقد جاء الروس طمعًا في الغاز السوري تحت غطاء محاربة تنظيم الدولة!
(المثال الرابع)
كان من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - تحمل النقد والحلم مع الجفاة.
ففي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم مالًا فقال بعض الناس: هذه قسمة ما أُريدَ بها وجه الله، فأُخبر بذلك رسول الله فقال: (رحم الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر)
روى البخاري في الصحيح، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: لما كان يوم حنين آثر النبي - صلى الله عليه وسلم - ناسًا، أعطى الأقرع مئة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسًا، فقال رجل: ما أريد بهذه القسمة وجه الله، فقلت: لأخبرن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) .
وفي رواية: (قال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، لعله أن يكون يصلي)
ولم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بحبس هذا الرجل أو عقوبته بل تركه حرًا طليقًا.
وهكذا فعل مع من قال له:"إنكم يا بني عبد المطلب قومٌ مُطل".
قال ابن حجر:"وفيه أن أهل الفضل قد يغضبهم ما يقال فيهم مما ليس فيهم، ومع ذلك فيتلقون ذلك بالصبر والحلم كما صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - اقتداء بموسى -عليه السلام-" [فتح الباري، ابن حجر (10/ 512) ] .
وروى النسائي في السنن عن أبي برزة الأسلمي قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق فقلت: اقتله، فانتهرني، وقال:"ليس هذا لأحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
وكان عمر -رضي الله عنه- يقول:"رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي"سنن الدارمي.
وقد قال الشاعر:
ويشتموا فترى الأكوان مشرقة ... لا عفو ذل ولكن عفو أحلام
أما تنظيم الدولة فلا يسمح بكلمة واحدة من النقد توجه إليه، بل يعاقب على ذلك أشد العقوبة كما هو الحال بالنسبة للدساتير الطاغوتية التي تنص على العقوبة الشديدة الصارمة لكل من يتعرض لشخص الملك أو الزعيم.
وقبل أيام تناقلت وسائل الإعلام أن تنظيم الدولة قطع آذان 42 شخصًا في الموصل؛ لأنهم انتقدوه!
كان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يحذر عماله من تهديد المسيء -مجرد تهديد- بعقوبة لا يستحقها، فقد كتب إلى عكرمة بن أبي جهل وهو عامله على عمان:"إياك أن توعد على معصية بأكثر منها من عقوبتها فإنك إن فعلت أثمت، وإن تركت كذبت" [درر السلوك في سياسة الملوك (ص: 66) ] .
لقد كان البطش والحقد الشيعي والنصيري الموجه ضد أهل السنة عاملًا كفيلًا لتوحيد أهل السنة ضد الشيعة والنصيرية.
لكن سياسة الدولة التي لا تستوعب الآخرين حالت دون ذلك، بل كانت هي السبب في الكثير من الشقاقات والفتن التي مزقت الصف السني.
وحتى نكون صريحين فإن هذا النوع من القسوة في التعامل والذي يكثر الأعداء ويقلل الأصدقاء كان هو السبب في نشأة الصحوات في العراق وارتماء كثير من أبناء السنة في أحضان الأمريكان؛ هربًا من الدولة وسوء معاملتها لهم، واليوم يتكرر الخطأ نفسه بطريقة أشد وأشنع.
ولو استمرت هذه الأساليب الوحشية في التعامل مع الناس لربما تحول أهل السنة كلهم إلى صحوات ضد تنظيم الدولة.
قال الماوردي:"القسوة والغلظة إذا غلبت أفضت إلى مجاوزة الحدود في الجناة، وعقوبة الأتقياء والبراة، فيدعو ذلك إلى إيحاش المستأنسين، وتفرق المتألفين، وإساءة ظنون المناصحين، ويصير كل ولي له خصيمًا، وكل امرئ عليه حانقًا، وربما ظن بعض الناس أن القساوة صرامة، فيذهب في ذلك بعيدًا!" [درر السلوك في سياسة الملوك (ص: 77) ] .
(المثال الخامس)
النبي - صلى الله عليه وسلم - في صراعه مع الأعداء لم يكن يهتم بالشعارات والأسماء، بل كان يركز على حقائق الأشياء؛ ولهذا تنازل لقريش في كتابة وثيقة المعاهدة التي أبرمها معها عام صلح الحديبية عن كتابة لفظ"الرحمن الرحيم"، ولفظ"رسول الله".
عن أنس -رضي الله عنه-: أن قريشًا صالحوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم)
قال سهيل: أما (بسم الله) فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم! ولكن اكتب ما نعرف"باسمك اللهم"
فقال: (اكتب من محمد رسول الله)
قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (اكتب من محمد بن عبد الله) رواه مسلم.
وفي رواية له: فأمر عليًا أن يمحها، فقال علي: لا والله لا أمحُها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أرني مكانها) فأراه مكانها فمحاها وكتب: (ابن عبد الله) .
إن تنازل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كتابة هذه الكلمات دليل على بعد نظره وعدم اهتمامه بالأسماء والشعارات إذا كانت عقبة أمام تحقيق المهمات، فعدم كتابة هذه الكلمات في الوثيقة لا يضر النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين بشيء.
لكنك تجد كل شيء في تنظيم الدولة مبنيًا على الأسماء والشعارات أكثر من بنائه على الحقائق والصفات.
ظهر البغدادي في خطبته التي ألقاها بثياب خاصة بالخليفة، مع أن الخليفة في الشرع ليست له ثياب خاصة تميزه عن الناس.
وراحت وسائل الإعلام تبحث وتحلل في مرامي لباس الشهرة الذي ظهر به الخليفة بالطريقة نفسها التي تتحدث بها عن ثياب إحدى نجوم السينما!
أين هذا من الملا عمر الذي لا يكاد أحد يعرفه بين جلسائه؛ اقتداء بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -؟!
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال:"بينما نحن جلوس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ -والنبي - صلى الله عليه وسلم - متكئ بين ظهرانيهم- فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ ..."رواه البخاري.
بل حتى جنود طالبان أيضًا لا تكاد تميزهم عن الناس العاديين.
لكن تنظيم الدولة يحاول تأكيد وجود دولته من خلال تميز جندها في الملبس والهيئة والراية والشعارات، ثم التأكيد على مصطلحات"الدولة"و"الخلافة"من خلال ترديدها، فلا يعطس أحدهم إلا بذكر"الدولة"، ولا يتنحنح إلا مع كلمة"باقية"، متناسين أن الدول والأمم لا تبنى بتكثير الرايات وترديد الشعارات.
والفاقرة العظيمة تمسكهم ببعض الشعارات التي يجلب عليهم التمسك بها الكثير من المفاسد والأضرار، وقد يعتبرون التنازل عن الرخص والمباحات تفريطًا في تطبيق الشرع كما هو الحال في مسألة السبي!
(المثال السادس)
ينتصر النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا تذهله نشوة الانتصار عن أخلاقه النبيلة، بل لا يزيده الانتصار إلا تواضعًا وسماحة وعفوًا.
يدخل - صلى الله عليه وسلم - مكة وهو مطأطئ رأسه.
ويعفو عمن قاتله وحاربه فيقول:"اذهبوا فأنتم الطلقاء".
لكن أخلاقيات تنظيم الدولة تزداد هبوطًا كلما ازداد تقدمًا وسيطرة.
الدولة الحكيمة هي التي إذا هيمنت وتمكنت أعطت لنفسها أمام الناس صورة نقية مشرقة مخالفة لما كان يروجه عنها الإعلام المعادي لها، فإن استمر تمكنها تقبَّلها الناس واحتضنوها، وإن انكمشت وزالت قوتها تركت للناس ذكرى حسنة وتاريخًا مشرفًا.
وحينما تتمكن أي جماعة من الهيمنة على بقعة ما، ثم تعجز في هذه البقعة عن إعطاء صورة حسنة لنفسها فمعنى ذلك أن هذه الصورة الحسنة مفقودة!
أما جماعة الدولة فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك، فأكدت بعد تمكنها كل ما كان ينسب إليها في زمن ضعفها من قبيح الخصال، وصدقت كلام خصومها ومبغضيها بالأقوال والأفعال، وأحرجت كل مناصريها ومحبيها، وحين تزول قوتها فلن يأسف أحد على ذهابها.
(المثال السابع)
عن أبي موسى قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره قال: (بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا) رواه مسلم.
في هذا الحديث دليل على أنه يجب على الولاة والأمراء أن يختطوا سياسة شرعية تحبب الإسلام والجهاد إلى الناس، وتمنحه قيمة أخلاقية تجذب الناس إليه.
فالمجاهد-وهو في الجهاد- يمارس الدعوة إلى الإسلام من خلال التقيد بأخلاقيات الجهاد؛ حتى يكون جهاد المسلمين متميزًا عن قتال الطواغيت والظلمة والملوك الجبابرة والساعين في الأرض فسادًا.
وهذا المنهج لا يتعين اتباعه مع المسلمين فقط، بل يتعين اتباعه أيضًا مع الكفار.
ومن أمثلة ذلك أن الشريعة جعلت المؤلفة قلوبهم أحد مصارف الزكاة جنبًا إلى جنب مع بقية المصارف من المسلمين، فقال -تعالى-: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] .
ومن أمثلة ذلك أيضًا أن الله -تعالى- جعل لولي الأمر وأمير الحرب العفو عمن لديه من الأسرى دون فداء أو مقابل، فقال -تعالى-: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4] .
ولا يكون العفو عن الأسرى المحاربين دون فداء إلا ذا كان ذلك لغرض تأليفهم.
لكن منهج تنظيم الدولة لا يراعي ما أوجب الله من تأليف القلوب وتحسين صورة الإسلام بشكل عام والجهاد بشكل خاص، فقد أظهروا أنفسهم وأظهروا الإسلام والجهاد في صورة وحشية بشعة لا رحمة فيها ولا رأفة، وأظهروا أمام الناس لأول مرة نوعًا جديدًا من التتار الذين يقاتلون ببشاعتهم وهم يحملون راية الإسلام!
لقد شوهوا الإسلام بالمشاهد الاستعراضية البشعة التي يمارسون فيها الذبح والحرق وجزّ الرؤوس والتغريق!
ولم يبق لهم من صور القتل القذرة التي لم يمارسوها حتى هذه اللحظة إلا السلخ!
كأنهم مصابون بمرض التلذذ بموت الآخرين.
بعض الشباب أثر في نفوسهم شدة البطش والظلم حتى ضعف عندهم شعور الرحمة والسماحة وغلب عليه خلق البغض وحب الانتقام؛ لشدة ما عانوه من الظلم، فأصبحوا حالة مرضية أكثر منهم طلاب عبادة.
والمعروف أن من يعاني من العنف والشدة في نشأته يؤثر ذلك في نفسه فتكون فيه شدة وحالة مرضية،
وفرق كبير بين من يجاهد تعبدًا ومن يجاهد مرضًا!
وإني لأتساءل: ما هو جدوى النهي عن المثلة إذا كان الإسلام يبيح الحرق والذبح وجزّ الرؤوس بالطريقة الاستعراضية التي يفعلها تنظيم الدولة؟!
ألا يعتبر الذبح والحرق وجز الرؤوس لما فيه من البشاعة والوحشية وسوء المعاملة أولى بالحرمة من المثلة؟
هناك وهمٌ يقع فيه من يظن أن هذه الممارسات الوحشية مندرجة في قوله -تعالى-: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} وهذا جهل ظاهر بمعنى الآية، ففي هذه الآية أمر الله -تعالى- بإرهاب العدو بجمع ما أمكن من عدة ومن رباط الخيل، وهذا إرهاب للعدو بما هو مباح في الأصل.
أما إرهاب العدو بأمر محرم فهو محرم في الأصل، لكنه قد يكون مباحًا في بعض الحالات لضرورة تنزل بالمجاهدين وتضطرهم إليه، وليست إباحته إلا مثل إباحة الخمر لإزالة الغصة.
وفرق كبير بين كون الأمر مباحًا للضرورة، وكونه مسألة ثابتة في المنهج يدعى إليها ويروّج لها.
(المثال الثامن)
عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث -لعبد الله بن أبيّ بن سلول-؟
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه) رواه البخاري.
في هذا الحديث دليل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يراعي كلام الناس، ويسد الطريق أمام الشائعات، ويقطع ألسنة المتقولين بالكف عن الأفعال التي قد تفتح الطريق أمام الاعتراضات.
ولا شك أن الكف عن كل ما قد يؤدي إلى الانتقادات أفضل من الرد عليها بعد انتشارها، والمتقرر شرعًا وعرفًا وعقلًا أن الوقاية خير من العلاج، وبتعبير الفقهاء:"الدفع أسهل من الرفع".
والحق أن تنظيم الدولة لا يراعي هذا المنهج النبوي ولا يلقي له بالًا، ويظهر ذلك جليًا في سياسته وكل تصرفاته.
ماذا استفاد التنظيم من سبي النساء الإيزيديات؟
وماذا استفاد من العمليات الاستعراضية الممنهجة للذبح وقطع الرؤوس؟
وماذا استفاد من قتل الإعلاميين والإغاثيين؟
وماذا استفاد من تهجير المسيحيين؟
كل هذه التصرفات تدل على أن التنظيم يفتح النار على نفسه.
ولو تأملت في حال تنظيم الدولة اليوم لرأيت أكثر من ينتقده من الشيوخ وأهل العلم هم من كانوا يناصرونه بالأمس.
أما الشيوخ الذين كانوا يجاهرون بعدائه فقد خفَّت حدتهم؛ والسبب في ذلك أن التنظيم أعان على نفسه وصدَّق بأفعاله كل ما كان يُتَّهم به.
كل الاتهامات التي كنا ندفعها عن المجاهدين ونحاول تفنيدها أصبحت اليوم سياسة ثابتة بالنسبة لتنظيم الدولة الذي أصبح يمارسها بلا خجل!
(المثال التاسع)
نعود إلى الحديث السابق وهو قوله - صلى الله عليه وسلم: (لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه) ؛ لأن فيه دلالة أخرى، فمن يكف عن قتال المنافقين المستوجبين للقتل خشية المقالة، لا يمكن أن يوجه سلاحه للمسلمين المعصومة دماؤهم، ومن باب الأحرى لا يمكن أن يوجه سلاحه إلى الأمة الإسلامية.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه) رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
إن الهدف الأساس الذي يجب أن يخرج من أجله المجاهدون هو حقن دماء المسلمين والدفاع عنهم، فالمسلمون ما زالوا تحت وطأة العدوان الصليبي واليهودي والرافضي، وجهود المجاهدين يجب أن تكون مصروفة في هذا الاتجاه ضد عدوان المعتدين وحماية بيضة المسلمين، فنحن اليوم في جهاد دفع لا جهاد نشر.
كان شباب الأمة ينطلقون من ديارهم إلى ساحات الجهاد لا ينهدهم إلا جراح الأمة وصرخات النساء وأنين الضحايا ودموع الثكالى.
كانوا يخرجون من ديارهم؛ نصرة للمستضعفين من الأمة، وذودًا عن حياضهم وذبًا عن حريمهم لا يريدون سلطانًا ولا مالًا ولا انتصارًا للنفس، بل يريدون التضحية بأرواحهم من أجل أمتهم، أسوتهم في ذلك (رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) .
لكن الأمر مختلف عند تنظيم الدولة وأتباعه! فهم لا يخرجون من ديارهم لنصرة المستضعفين، بل يخرجون لإقامة"الدولة"وطلبًا للنصر والتمكين، فكأنهم طلاب نصر لذواتهم لا أنصار لأمتهم!
فانتصار الفصائل السورية على نظام بشار -مثلًا- أمر لا قيمة له عند تنظيم الدولة وأتباعه، وكذا انتصار طالبان أو الشباب المجاهدين على أعدائهم!
الانتصار بالنسبة لتنظيم الدولة يعني فقط تمدد الدولة.
وقد فقدت"الدولة"و"الخلافة"مع طلاب النصر هؤلاء دورها الحقيقي وغايتها المرجوة منها وتحولت من وسيلة إلى غاية، وأصبحت هي أم الغايات ورأس الحاجات، بل أقدس المقدسات!
وهذا انحراف خطير في المنهج سبَّب كارثة عظمى!!