فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 459

وقال ابن أبي زيد القيرواني:"قال مالك في السرية القليلة يلقون أضعافهم فلهم الانحياز إلى عسكرهم. قال عنه علي: إن علموا أنهم لا ينكون العدو لقلتهم فلينحازوا ولا يلقوهم فيستأسِد العدو إذا قتلوهم." [1] .

وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أن جواز الفرار من العدو الأكثر من الضعف مقيَّد بحديث ابن عباس: (ولن يُغلب اثني عشر ألفًا مِن قلَّة) [2] .

أي أن المسلمين إذا بلغوا اثني عشر ألفًا لم يَجُزْ لهم الفرار لكثرة عدوهم.

قال الجصاص:"وذكر الطحاوي أن مالكًا سُئل فقيل له: أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام اللَّه وحكم بغيرها؟ فقال له مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفًا مثلك لم يسعك التخلف، وإلا فأنت في سعة من التخلف. وكان السائل له عبد اللَّه بن عمر بن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن عمر." [3] . وبمثل هذا قال محمَّد بنُ الحسنِ في (السِّيَرِ الكبير) .

وبهذا تعلم أن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} آية عامة دخلها التخصيص، بوجود حالات ومواضع يجوز فيها الفرار من الزحف.

والحالات التي يجوز فيها الفرار من الزحف أوردها العلامة محمد مولود في (نظم الكفاف) فقال:

والفرّ موبق وفي مواضعا ... أربعة جاز لنا واتسعا ...

تحيّز لفئة تحرف ... غَرّا لهم ليطمعوا فيتلفوا ...

أو كان اعزل بغير أعتد ... أو جاوزوا ضعفين لو بواحد ...

ما لم يكن من أسلموا اثني عشر ... على الذي قوي واشتهر

واعلم أن كل واحد من هذه الأمور يُعتبر لوحده مبيحًا للفرار من الزحف، فلو بلغ عدد الجيش اثني عشر ألفًا لم يجز لهم الفرار لكثرة عدوهم، ولكن يجوز لهم الفرار للتحرف، أو للتحيز إلى فئتهم ..

ثم إني رأيت البعض يطرح سؤالا فيقول: هل معنى ما ذكرتم أنه لا يجوز للمجاهدين اليوم الاحتفاظ بأي مدينة عندما يغزوها العدو ويهدد بتدميرها؟

(1) النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات (3/ 53) .

(2) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة.

(3) أحكام القرآن للجصاص (4/ 228) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت