فهرس الكتاب
ومن الحالات التي يجوز فيها الفرار: التحيز إلى الفئة المذكور في قوله تعالى: {أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} :
قال ابن كثير:" {أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} أي: فرَّ من هاهنا إلى فئة أخرى من المسلمين، يعاونهم ويعاونوه فيجوز له ذلك، حتى لو كان في سرية ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم، دخل في هذه الرخصة." [1] .
قال منصور البهوتي في (كشف القناع) :"قال القاضي: لو كانت الفئة بخراسان والفئة بالحجاز لجاز التحيز إليها؛ لحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إني فئة لكم) ، وكانوا بمكان بعيد منه" [2] .
ومن الحالات التي يجوز فيها الفرار: أن يكون العدو أكثر من ضعف المسلمين، وذلك لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، قال العلامة السعدي:"وهذه الآيات صورتها صورة الإخبار عن المؤمنين، بأنهم إذا بلغوا هذا المقدار المعين يغلبون ذلك المقدار المعين في مقابلته من الكفار، وأنَّ اللّه يمتنُّ عليهم بما جعل فيهم من الشجاعة الإيمانية."
ولكن معناها وحقيقتها الأمر وأن اللّه أمر المؤمنين -في أول الأمر- أن الواحد لا يجوز له أن يفر من العشرة، والعشرة من المائة، والمائة من الألف.
ثم إن اللّه خفَّف ذلك، فصار لا يجوز فرار المسلمين من مثليهم من الكفار، فإن زادوا على مثليهم جاز لهم الفرار." [3] ."
وقال ابن عباس:"مَن فرَّ مِن رجلين فقد فر، ومن فر من ثلاثة لم يَفِر" [4] .
وفي غزوةِ مُؤتة، قابلَ المسلمون وهم ثلاثةُ آلاف جيشًا عظيمًا من النّصارى كان عداده مائتا ألف، ولما استلم خالد بن الوليد -رضي الله عنه- إمرة الجيش، انحازَ به بطريقةٍ ذكيّة وانسحب من المعركة، وأقرَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذا الانسحاب، بل اعتبرَه فتحًا ونصرًا للمؤمنين.
عن أنس -رضي الله عنه-:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: (أخذ الراية زيد فأُصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأُصيب -وعيناه تذرفان-، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) [5] ."
وقال ابن العربي:"وقد روى ابن وهب عن مالك في الرجل يلقى عشرة قال: واسعٌ له أن ينصرف إلى معسكره إن لم تكن له قوة على قتالهم." [6] .
(1) تفسير ابن كثير (4/ 27) .
(2) كشاف القناع عن متن الإقناع (8/ 16) .
(3) تفسير السعدي (ص: 325) .
(4) تفسير الطبراني.
(5) أخرجه البخاري.
(6) أحكام القرآن لابن العربي (4/ 167) .