فهرس الكتاب
والنصارى بيت المقدس على ما ذكر أنهم غزوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم - قيل: اسمه نطوس بن اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنوي - فقتلوا وسبوا، وحرقوا التوراة، وقذفوا في بيت المقدس العذرة وخربوه. وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإِسلام فيها خراب لها". [1] "
ولا شك أن الخراب الحسي أعظم جرما من الخراب المعنوي لأنه يتناوله ويشمله.
وهذا الوعيد المذكور في الآية عام في كل من اتصف بهذه الصفة وتجرأ على بيوت الله وسعى في خرابها.
بل إن تخريب المساجد لا يلجأ إليه عادة إلا الطواغيت الذين يريدون محاربة الإسلام والقضاء عليه ..
فمن أساليبهم المعهودة في حربهم على الإسلام: هدم المساجد ومنع بنائها أو عرقلة تراخيصه أو إغلاقها، أو منعها من أداء وظيفتها .. فاستهداف المساجد يعني استهداف الإسلام بالأساس ..
ومن أمثلة ذلك ما فعله عدو الله أنور خوجه عندما استولى على الحكم في ألبانيا في الحقبة الشيوعية من الفترة 14/ 12/1336 هـ وحتى 18/ 9/ 1412 هـ، حيث أعلن الإلحاد رسمياً، وحارب الدين، وهدم المساجد، فلم يبق من مجموع 1700 مسجد كانت موجودة في ألبانيا سوى 50 مسجداً حولت إلى متاحف وورش للنجارة والحدادة.
وفي بلغاريا أثناء فترة الحكم الشيوعي أغلقت المساجد (وكان عددها 1200) وهدم بعضها.
إن تفجير المساجد محاربة لله عز وجل لأنه من أشد ما يكون من التخريب لبيوته التي شرفها وعظمها فأضافها إلى نفسه ..
فالمساجد بيوت الله عز وجل، وليست بيوت أحدٍ من الأحياء أو الأموات أو الملوك أو الأجناد أو الدول أو الأنظمة ..
ليست المساجد لأحد سوى الله ..
ولا يجوز أن تنسب لغير الله ..
قال تعالى: {وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ الله أَحَداً} [الجن: 18] .
فقد أضافها الله سبحانه وتعالى إلى ذاته بلام الاختصاص - مع أن جميع الأماكن وما فيها ملك لله عز وجل -، للتنبيه على شرفها وعظمها، ولبيان أنها لا يجوز أن تنسب -اختصاصا- لغير الله تعالى.
ومن أراد الاعتداء عليها أو حاول أن ينالها بسوء فهو قاصد للنيل من حرمات الله عازم على محاربة الله ..
كما أن استهداف المصلين في المساجد يعني بالدرجة الأولى محاربة الصلاة ..
فالمكان المستهدف يحدد دوافع الاستهداف والغرض منه ..
من أراد محاربة الزنى سوف يستهدف أماكن الرذيلة ..
ومن أراد محاربة الربا سوف يستهدف البنوك ..
وهؤلاء الذين جاءوا إلى المسجد تجمعهم صفة واحدة هي صفة"المصلين".. فاستهدافهم بشكل جماعي في مكان الصلاة يعني في النهاية استهداف الصلاة ..
(1) تفسير القرطبي (2/ 77) .