فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 459

وكأن هذا المفجر للمسجد يعاقبهم على الصلاة بالخصوص لا على جرم آخر!!

فهو ينهى عن الصلاة بفعله وإن لم ينه عنها بقوله، وفي مثله يرد قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى} [العلق: 9، 10]

قد يستدل البعض على مشروعية تخريب المسجد لوجود بعض المسوغات قياسا على مسجد الضرار ..

وهذا الاستدلال مردود على صاحبه بأن مسجد الضرار لم يشرع بناؤه ابتداء لأنه لم يبن من أجل ذكر الله تعالى بل بني ضرارا للمسلمين ومشاقة لهم كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} [التوبة:107] .

فالمسجد الذي بني لغرض شرعي صحيح لا ينبغي أن يقاس على مسجد الضرار.

إن المساجد والمعابد هي موضع اللجأ إلى الله والخشوع له وخشيته، ولا يتأتى أن يكون القلب خاشعا لله وجلا منه مع وجود المكدر والمشوش من مخافة الأعداء ومطارق البأساء ..

فلا بد للعابد من الشعور بالسكينة والطمأنينة ..

ولهذا كان من مقاصد الجهاد أن تكون دور العبادة التي يذكر فيها اسم الله -بغض النظر عن الديانة- مكانا آمنا للمتعبدين، و موضع سكن للخاشعين ..

قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40]

قال ابن جرير الطبري: (معنى ذلك: لهدمت صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرا) . [1]

وقال القرطبي:

(أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بنته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة) . [2]

وقال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم.

ولعل ما ذكرناه يدخل أيضا في المقصود مما جرت به السنة من ترك التعرض للرهبان المنقطعين للعبادة وعدم قتالهم.

عن بن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا بعث جيوشه قال:"اخرجوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع". [3]

وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد: ان أبا بكر الصديق بعث جيوشا إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان وكان أمير ربع من تلك الأرباع فقال له:"انك ستجد قوما زعموا انهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا انهم حبسوا أنفسهم له".

إن قتل المصلين أيا كانوا لا يختلف أبدا عن قتل الرهبان، والحكمة التي منع من أجلها قتل الرهبان تقتضي من باب الأحرى المنع من قتل كل مصل وراكع وساجد.

(1) تفسير الطبري (16/ 586) .

(2) تفسير القرطبي (12/ 70)

(3) رواه أحمد والطبراني في الكبير والبزار وابن أبي شيبة وغيرهم وهو حسن لغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت