فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 459

لأن النهي عن قتل من حبس نفسه على العبادة يدل بالأحرى على النهي عن قتل المتلبس بالعبادة.

إن قتل المصلين الركع السجود ليس فضيلة ولا شجاعة، بل هو قمة الجبن والغدر و الدناءة .. !

إِن الشجاعَ هو الجبانُ عن الأذى ... وأرى الجريئ على الشرورِ جبانا

ولهذا عندما أراد عمرو بن سالم الخزاعي أن يصور للنبي - صلى الله عليه وسلم - بشاعة غدر قريش وحلفائها بقومه قال في أبياته المشهورة:

إن قريشًا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا

هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا!!

إن هؤلاء الذين يفجرون المساجد ويقتلون المصلين لا يقتدون بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بفعل الصحابة الكرام، بل يقتدون بفعل عدو الله"باروخ جولد شتاين"الذي قتل 29 مصليا في"المسجد الإبراهيمي"وهم سجود في صلاة الفجر في شهر رمضان عام 1414 هـ!!

ويقتدون بفعل عتاة قريش الذين كانوا يأتون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي فيضعون على ظهره وهو ساجد سلى الجزور!

ويقتدون بأبي لؤلؤة المجوسي الذي قتل الخليفة الفاروق في أول عملية اغتيال شهدها أهل الإسلام في المساجد في صلاة الفجر فالقتل في المساجد سنة مجوسية لا اسلامية!

إن توفير الأمن في أماكن العبادة وبث الطمأنينة والسكينة في نفوس المتعبدين أمر مقصود لدى الشارع أشار إليه قوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] ، وقوله: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ} [البقرة: 191] .

وبيّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة بقوله:"ومن دخل المسجد فهو آمن".

ولتحقيق هذا القصد يجب تحييد المساجد وإبعادها عن كل صراع أو فتنة، ولا يجوز بأي حال ان تكون المبررات لقتال أي طرف أو جهة مبررا لقتاله داخل المسجد، فمشروعية قتال أي شخص لا تعني بالضرورة مشروعية قتاله في المسجد.

ولهذا استنكر الذهبي على عبد الله ابن الزبير دخوله إلى المسجد الحرام وتحصنه فيه لأنه كان سببا في انتهاك الحجاج لحرمة الكعبة.

قال الذهبي: (ما إخال أولئك العسكر إلا لو شاؤوا لأتلفوه بسهامهم، ولكن حرصوا على أن يمسكوه عنوة، فما تهيأ لهم. فليته كف عن القتال لما رأى الغلبة، بل ليته لا التجأ إلى البيت، ولا أحوج أولئك الظلمة والحجاج - لا بارك الله فيه - إلى انتهاك حرمة بيت الله وأمنه. فنعوذ بالله من الفتنة الصماء) . [1]

ثم إن حرمة المسجد ليست مشروطة بأن يكون المصلون فيه على الخير والتمام، أو على أحسن ما يرام، بل حرمته محفوظة وصيانته واجبة بغض النظر عن طبيعة رواده من المصلين.

فالمسجد اكتسب مكانته ومنزلته العظيمة من نسبته إلى الله عز وجل لا من صلاح رواده ..

(1) سير أعلام النبلاء (3/ 378) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت