فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 459

والمسجد مكان عام يرده كل الناس على اختلاف درجاتهم: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات ..

ولا يجوز استباحة الدماء المعصومة في المسجد بزعم وجود بعض الدماء غير المعصومة ..

فيا من تريد محاربة نظام أو دولة أو عدو: دونك ما تريد .. فتوجه إليه في أماكنه وبارزه في مواقعه، ولا تجعل بيوت الله غرضا سهلا تغطي به عجزك وجبنك عن المواجهة!

وأي جبن أعظم من العجز عن مواجهة العدو في غير الصلاة!

إن المساجد بنيت لعبادة الله عز وجل وتعظيمه والتقرب له، ولم تبن لكي تكون ساحة للقتال وتصفية الحساب مع الخصوم والأعداء، ولا يشرع دخولها إلا بنية التعبد والتقرب لله عز وجل والخضوع له والخشوع بين يديه ..

قال تعالى: {أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ} [البقرة: 114]

قال أبو حيان: (والظاهر أن المعنى: أولئك ما ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد اللّه إلا وهم خائفون من اللّه وجلون من عقابه. فكيف لهم أن يلتبسوا بمنعها من ذكر اللّه والسعي في تخريبها، إذ هي بيوت أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ؟ وما هذه سبيله ينبغي أن يعظم بذكر اللّه فيه، ويسعى في عمارته، ولا يدخله الإنسان إلا وجلا خائفا، إذ هو بيت اللّه أمر بالمثول فيه بين يديه للعبادة) . [1]

وقال أبو السعود: (أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوعٍ فضلاً عن الاجتراء على تخريبها) . [2]

وقال سيد قطب: ( .. أي أنه ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد اللّه إلا في خوف من اللّه وخشوع لجلالته في بيوته. فهذا هو الأدب اللائق ببيوت اللّه، المناسب لمهابته وجلاله العظيم .. ) . [3]

إن الذي يرضى أن يكون وقودا لعملية تفجير في مسجد ينتج عنها تناثر أشلاء المصلين وتطاير المصاحف واختلاطها بالدماء وبث الرعب في أماكن الأمن والسكينة، و يستحسن هذا الصنيع ويفرح به، هو شخص ميت الضمير منتكس الفطرة لا يقيم للدين حرمة ولا للمقدسات منزلة .. !

وما المرءُ إِلا حيث يجعلُ نفسَه ... ففي صالح الأعمالِ نفسَكَ فاجعل

ويحك يا مفجر المساجد!

كم من عبادة أفسدتها؟

وكم من قلوب خاشعة مطمئنة أفزعتها؟

وكم من منارة يرفع فيها ذكر الله هدمتها!

أيسرك أن تتعطل العبادة في بيوت الله؟

أيسرك أن يتوقف الناس عن الركوع والسجود بين يدي الله؟

فدعْ عنكَ سوءاتِ الأمورِ فإِنها ... حرامٌ على نفسِ التقى ارتكابُها

(1) البحر المحيط (1/ 575) .

(2) تفسير أبي السعود (1/ 187) .

(3) فى ظلال القرآن (1/ 105)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت