الصفحة 157 من 260

-وإن من الإحسان إلى الأرحام استمرار الوصل إليهم وإن قطعوه؛ لأن بعض الناس لا يصل أقاربه إلا إذا وصلوه، وهذا في الحقيقة ليس بصلة بل هو مكافأة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ وَلَكِن الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» [1] .

يقول ابن حجر: وَقَالَ شَيْخنَا فِي «شَرْح التِّرْمِذِيّ» المُرَاد بِالْوَاصِلِ فِي هَذَا الْحَدِيث الْكَامِل, فَإِنَّ فِي المُكَافَأَة نَوْع صِلَة, بِخِلَافِ مَنْ إِذَا وَصَلَهُ قَرِيبه لَمْ يُكَافِئهُ فَإِنَّ فِيهِ قَطْعًا بِإِعْرَاضِهِ عَنْ ذَلِكَ, وَهُوَ مِنْ قَبِيل «لَيْسَ الشَّدِيد بِالصُّرْعَةِ, وَلَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَة الْعَرَض» اِنْتَهَى.

وَأَقُول: لَا يَلْزَم مِنْ نَفْي الْوَصْل ثُبُوت الْقَطْع فَهُمْ ثَلَاث دَرَجَات: وَاصِل وَمُكَافِئ وَقَاطِع, فَالْوَاصِل مَنْ يَتَفَضَّل وَلَا يُتَفَضَّل عَلَيْهِ, وَالمُكَافِئ الَّذِي لَا يَزِيد فِي الْإِعْطَاء عَلَى مَا يَأْخُذ, وَالْقَاطِع الَّذِي يُتَفَضَّل عَلَيْهِ وَلَا يَتَفَضَّل. وَكَمَا تَقَع المُكَافَأَة بِالصِّلَةِ مِن الْجَانِبَيْنِ كَذَلِكَ يَقَع بِالمُقَاطَعَةِ مِن الْجَانِبَيْنِ, فَمَنْ بَدَأَ حِينَئِذٍ فَهُوَ الْوَاصِل, فَإِنْ جُوزِيَ سُمِّيَ مَنْ جَازَاهُ مُكَافِئًا, وَالله أَعْلَم [2] .

ولذلك أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على من يبادر إلى وصل أرحامه وإن قطعوه؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ الله إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي, وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ, وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُم المَلَّ, وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِن

(1) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: ليس الواصل بالمكافئ، برقم: (5991) .

(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، 10/ 423 - 424.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت