بعد القادسية, كان سراقة في بداية أمره يريد القبض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسلمه لزعماء مكة لينال مائة ناقة، وإذا بالأمور تنقلب رأسًا على عقب، ويصبح يرد الطلب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل لا يلقى أحدًا من الطلب إلا رده قائلا: كفيتم هذا الوجه، فلما اطمأن إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى المدينة المنورة، جعل سراقة يقص ما كان من قصته وقصة فرسه، واشتهر هذا عنه، وتناقلته الألسنة حتى امتلأت به نوادي مكة، فخاف رؤساء قريش أن يكون ذلك سببًا لإسلام بعض أهل مكة، وكان سراقة أمير بني مدلج، ورئيسهم فكتب أبو جهل إليهم:
بني مدلج إني أخاف سفيهكم * * * سراقة مستغوٍ لنصر محمد
عليكم به ألا يفرق جمعكم * * * فيصبح شتى بعد عز وسؤدد
فقال سراقة يرد على أبي جهل:
أبا حكم والله لو كنتَ شاهدًا * * * لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تَشْكُك بأن محمدًا * * * رسول وبرهان فمن ذا يقاومه
عليك فكُف القوم عنه فإنني * * * أرى أمره يومًا ستبدو معالمه
بأمر تود الناس فيه بأسرهم * * * بأن جميع الناس طُرًا مسالمه
وكان مما اشتهر عند الناس من أمر سراقة ما ذكره ابن عبد البر، وابن حجر وغيرهما، قال ابن عبد البر: روى سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟» قال: فلما أُتى عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه، دعا سراقة بن مالك فألبسه إياها، وكان سراقة رجلًا أزب. كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك فقال: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابياًّ من بني مدلج، ورفع بها عمر صوته ثم أركب سراقة، وطيف به المدينة، والناس حوله، وهو يرفع عقيرته مرددًا قول الفاروق: الله أكبر، الحمد الله الذي سلبهما كسرى بن هرمز،