فهرس الكتاب
لذا فقد استدل الإمام الخطابي بهذا الحديث على وجوب الجهاد مع أئمة الجور فقال في معالم السنن: (فيه بيان أن الجهاد لا ينقطع أبدًا، وإذا كان معقولًا أن الأئمة كلهم لا يتفق أن يكونوا عدلًا، فقد دل هذا على أن جهاد الكفار مع أئمة الجور واجب كهو مع أهل العدل، وأن جورهم لا يسقط طاعتهم في الجهاد وفيما أشبه ذلك من المعروف ... ) [1] .
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيميه أنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور؛ فإنه لا بد من الغزو معهم دفعًا للضرر الأكبر، كما ذكر أن كثيرًا من الغزو الذي حصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه [2] .
وقد كان الأفغان يجاهدون الروس، وكان علماء الجزيرة وغيرهم يفتون بصحة جهادهم، ووجوب نصرتهم، مع ما كان عندهم من الجهل، بل والأمور البدعية الشركية.
وأخيرًا:
فإننا لا نشك في أن مثل هذه الأقوال إنما هي من قبيل الشبهات التي ينبغي على أهل الإيمان دفعها بتقوية اليقين، ونشر العلم الصحيح، وقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مَن يشكك المؤمنين في قدراتهم ويخوفهم بأنهم لا قبل لهم بملاقاة عدوهم فيقول: (يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارًا) [الأحزاب: 13] ، أما أهل الإيمان فما ضرهم ذلك في شيء، بل قالوا لما رأوا تجمع الأحزاب عليهم: (هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا) [الأحزاب: 22] .
وهذا الذي وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يتكرر مثله في كل وقت تتعرض فيه الأمة إلى تكالب الأعداء عليها.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيميه أن ذلك قد وقع في عصره، ثم قال رحمه الله: (تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذى جرى علينا بشؤمكم، فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين، وقاتلتم عليه، وخالفتموهم؛ فإن هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة، وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا، والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت، وإلا فلو كنا
(1) معالم السنن المطبوع بهامش سنن أبي داود: 3/ 11.
(2) مجموع الفتاوى: 28/ 506 - 507.