فهرس الكتاب
الكاتب: عبد الآخر حماد الغنيمي
إنها ليست مجرد هفوة
من بين ردود الأفعال الكثيرة التي صدرت حول قضية الحجاب في فرنسا، وعزمها على إصدار قانون بمنعه في المدارس، وربما في غيرها، جاءت تصريحات شيخ الأزهر شاهدًا قويًا على مدى ما وصلت إليه حال المؤسسات الدينية الرسمية في بلاد المسلمين من ضعف وتوسيدٍ للأمر لغير أهله؛ فما قاله شيخ الأزهر من أن قضية الحجاب في فرنسا شأن داخلي وأنه يحق لفرنسا أن تصدر من القوانين ما تشاء، وأنه ليس لأحد أن يعترض عليها، هذا الكلام لا علاقة له بالعلم الشرعي، ولست أجد ما يساويه في البطلان إلا فتوى كانت قد صدرت عن أحد المفتين في بريطانيا منذ مدة، مفادها أنه ليس على المرأة المسلمة في بلاد الغرب أن تلتزم الحجاب لأنه قد أصبح - على حد زعمه - وسيلة لإيذاء المرأة المسلمة لا لدفع الأذى عنها!
وقد تعجب الكثيرون من صدور مثل هذه التصريحات عن الشيخ طنطاوي في الوقت الذي وقفت فيه الكنيسة في فرنسا وبريطانيا، بل والحاخام الأكبر لليهود في فرنسا موقفًا مخالفًا لذلك تمامًا، وطالبوا الحكومة الفرنسية بالعدول عن عزمها هذا، وقام بعض الغيورين من داخل الأزهر وخارجه يردون على شيخ الأزهر قوله، ويبينون بطلانه، غير أنه قد لفت انتباهي أن بعض المعترضين راح يصف ما بدر من شيخ الأزهر بأنه كبوة، أو"زلة لسان من العيار الثقيل لم يحالفه فيها التوفيق"على حد وصف الأستاذ فهمي هويدي في مقاله بجريدة الأهرام بتاريخ (13/ 11/1424 - 6/ 1/2004) .
والذي أراه أن وصف هذا الموقف بأنه مجرد كبوة فيه ظلم كبير للرجل، وتجنٍ على الحقيقة، وذلك أن العرب حين قالت: لكل صارم نبوة، ولكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة، كانت تعني كما هو واضح من السياق أن الكامل من عدت سقطاته، وأنه لا يستبعد وقوع الخلل مرة أو مرات قليلة ممن ليس ذلك شأنه، بحيث يعد هذا الخلل استثناءً من الأصل، الذي هو صرامة السيف وقوة الجواد ونطق العالم بالحق والصواب، وهذا ليس بصحيح في مثل حالة شيخ الأزهر، والذين يعرفون الرجل يعلمون أن مواقفه تأتي دائمًا مبنية على حسابات سياسية تتوافق مع يريده الساسة وأهل السلطان، ولا تزال الذاكرة تعي له في ذلك مواقف ومواقف، منذ أن وقف بين يدي الرئيس السادات في مدينة أسيوط سنة (1979م) متحدثًا حول ظاهرة الجماعات الإسلامية التي كان قد زاد انتشارها في الجامعات، وبدأت تنحى منحىً لا يرضي أهل السلطان خصوصًا في جامعات الصعيد، ولما كان السادات وقتها غاضبًا من ذلك، حتى إنه أخذ يوجه اللوم علنًا وعلى رؤوس الأشهاد لمحافظ أسيوط لتساهله في الأمر، فإن ممثل جامعة الأزهر - وهو الدكتور محمد سيد طنطاوي - راح هو الآخر يعزف على نفس الوتر، وأخذ يكيل التهم لأولئك الطلاب حتى إنه أدعى أن بعضهم قد كفروه.
ولقد خضعت آراء الشيخ طنطاوي لتقلبات وتناقضات لا نجد لها تفسيرًا إلا ما أشرنا إليه من الارتباط بالأوضاع السياسية، والحرص على مجاراة أهل السلطان، فعلى سبيل المثال كان موضوع رسالته التي نال بها الدكتوراه في العهد الناصري عن بني إسرائيل في القرآن والسنة، وكان جانبًا مهمًا منها في بيان صفاتهم الخبيثة من اللؤم والغدر ونحو ذلك، ثم لما تبدل الحال وتغيرت السياسات كان الشيخ طنطاوي هو أول شيخ للأزهر يستقبل في مكتبه حاخام اليهود الأكبر في الدولة العبرية، ومن قبله استقبل السفير