فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 337

فالعالم والمفتي المتبع للحق لا بد أن يكون مستند وأساس فتواه على هذين الأصلين من الفهم الأول فهم الواقعة والحادثة والثاني فهم ما يناسبها من أدلة وأحكام شرعية وذلك يكون بعد استفراغ الجهد كما بين الإمام ابن القيم - رحمه الله- فإذا فعل العالم أو المفتي ذلك وسلك هذا المسلك وأدّاه اجتهاده إلى حكم في المسألة ثم تبين له بعد ذلك بعض الأدلة أو بعض القرائن المقترنة في الواقعة والحادثة فغير اجتهاده في هذه المسألة أو في شبيهاتها بعدها فهذا مجتهد مأجور مغفور له في كلا الحالتين بإذن الله كما سننقل عن أهل العلم بعد قليل ..

وكذلك الأمر إذا تغيرت علة أو أوصاف المسألة المؤثرة في الحكم في شبيهاتها من الحوادث فهنا سيتغير الحكم لتغير العلة أو الأوصاف المؤثرة في الحكم كما هو مقرر عند أهل العلم ..

ففي هذه الحالات لم يغير العالم أو طالب العلم قوله دون سبب معتبر لذلك ..

فتغير الفتوى هنا كان إما لتغير الواقعة حقيقة أو فهما أو لتغير فهم الأدلة أو لوقوفه على أدلة وفهم لم يكن عنده عندما أصدر حكمه الأول وفي هذا الباب يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- في إعلام الموقعين (3/ 3) :(فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد ....

هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به .... )وانظر لمزيد بيان وتمثيل رسالتنا تنبيه الأخيار

ولا بد أن تعلم أخي السائل الكريم أن معرفة حال صاحب الفتوى وأصوله التي يسير عليها في الاستنباط والاستدلال من أهم ما يفرق به بين أهل الاجتهاد وأهل الأهواء كما بين ذلك أهل العلم قديما وحديثا فهناك فرق دقيق بين المجتهد وصاحب الهوى

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:

(وسبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء -مع وجود الاختلاف في قول كل منهما:- أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد وهو مأمور في الظاهر باعتقاد ما قام عنده دليله وإن لم يكن مطابقا؛ لكن اعتقادا ليس بيقيني كما يؤمر الحاكم بتصديق الشاهدين ذوي العدل وإن كانا في الباطن قد أخطآ أو كذبا وكما يؤمر المفتي بتصديق المخبر العدل الضابط أو باتباع الظاهر، فيعتقد ما دل عليه ذلك وإن لم يكن ذلك الاعتقاد مطابقا. فالاعتقاد المطلوب هو الذي يغلب على الظن مما يؤمر به العباد وإن كان قد يكون غير مطابق وإن لم يكونوا مأمورين في الباطن باعتقاد غير مطابق قط.

فإذا اعتقد العالم اعتقادين متناقضين في قضية أو قضيتين مع قصده للحق واتباعه لما أمر باتباعه من الكتاب والحكمة: عذر بما لم يعلمه وهو الخطأ المرفوع عنا؛ بخلاف أصحاب الأهواء. فإنهم إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت