إنّ تسميةَ الابتلاء وعدًا من تمام الفقه والفهم، لأن وعود الله تعالى بحصول الخير، وقدوم البِشارات لا تتمُّ إلاّ بعد الابتلاء والتّمحيص، فحيث رأى المؤمن الابتلاء قادمًا إليه، فهو رابطٌ له ولا شك بما سيأتي بعده، وهو وقوع الوعد، لكن بعد اتِّخاد الموْقف الصّحيح، وفي كلامهم رضي الله عنهم موقِفُهم من الحدث، فحيث قالوا: إن هذا الابتلاء هو وعد لله تعالى، فهو موقف منهم أنَّهم سيصبرون عليه، ويعالجوه وفق أحكامِ الله تعالى، ذلك ليخرجَ من الابتلاء إلى الوعد، وإلا فإن الابتلاء سيكون مقدّمة الوعيد لا الوعد.
فهم رضي الله عنهم نظروا إلى نتيجة الابتلاء وخلاصته، وذلك من خلال موقفهم من الحدث، فالفتنة يسقط بها المرء، فتكون عذابًا على صاحبها كما قال المنافقون: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا} فهؤلاء محجوبون بحجاب الهوى والشّهوة، وكذلك بحجاب البلادة والجهل، حيث ظنّوا أنّ الوعودَ الإلهية تقدم على أطباق الذّهب والفضّة، بلا امتحان وابتلاء، وبدون تمحيص واختبار، فحيث وقع البلاء زاغت قلوبُهم عن الحقّ، وخرجت منهم كلمات الشرِّ والسّوء، وأمّا المؤمنون فقد تذكّروا قوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يأتِكم مَثَلُ الذين خَلوْا من قبلكم مسّتهمُ البأساءُ والضرَّاءُ وزُلزِلوا حتّى يقولَ الرّسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إنّ نصر الله قريب} البقرة. فالوعود لا تأتي بلا مقابل، بل لا بدَّ من أن تأتي لمن يستحقّها {وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا} )
وأصحاب الدعوات الذين يؤمنون بصدق دعوتهم لا يخذلون إخوانهم من الجماعات المجاهدة والمجاهدين الساعين لتحكيم الشريعة ولا يخرجونهم ولا يطاردونهم ولا يهددونهم بالأسر (التشويل) ولا يبهتونهم ولا يصفونهم بما يعلمون أنهم منه براء فمن فعل ذلك بلا حجة أمام الله فقد شابه أعداء الدعوات الذين قال الله تعالى فيهم: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} وهم بفعلهم هذا القبيح يقعون بما استنكره واستبعده رسول الله صلى الله عليه وسم أن يقع من قومه (أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ) فإخراج المجاهدين الساعين لتحكيم الشريعة ومطاردتهم والتضييق عليهم ليس من هدي أصحاب الحق وأنصاره أبدا ..