الخنثى المُشْكِلُ وإشكالية التكليف الفقهي
سليمان القراري
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والشكر له كما يجب لجزيل نعمائه وكثير ألطافه، والصلاة والسلام الأتمان على نبيِّه ورسوله محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وتأسى بهم إلى يوم الدين. أما بعد:
لما شاء الله تعالى أن يكون خلق الأحياء قائمًا على طبيعة التناسل، جعل المخلوقات نوعين ذكرًا وأنثى، وبثّ منهما خلقا كثيرًا حتى تستمر الحياة خلفًا بعد سلف، وما دامت الأرض مخلوقة لعمارة النوع البشري بنوعيه الذكر والأنثى لم يجعل الله تعالى بينهما نوعًا ثالثا. لذا فإن الخنثى لا يخرج من أحد الجنسين الذكر أو الأنثى، فلا يمكن اعتباره كنوع جامع للوصفين لما بينهما من مغايرة خُلُقية على سبيل المضادة.
والعارفون لمَّا عاينوا حقيقة الخنثى قالوا هو نوعان، نوع له آلتا الذكر والأنثى معا، والثاني ليس له آلة أصلا، إنما به ثُقب يقضي به حاجته. وأصل التسمية من الخُنْثُ وهو اللين وكل ما كان في معناه، يقال: خَنِثَ الرجل خَنَثا فهو خَنِثٌ، وتَخَنَّثَ وانْخَنَثَ، تَثَنَّى وتَكَسَّرَ، والأنثى خَنِثَةٌ، وخَنَّثْتُ الشيء فَتَخَنَّثَ أي عَطَّفْتُه فَتَعَطَّف، والمُخَنَّثُ من ذلك ِللِينِه وتَكَسُّره وهو الانْخِنَاث، ويقال للمُخَنَّثِ خُنَاثَةُ وخُنَيْثةُ، وامرأة خُنُثٌ ومِخْنَاثٌ، ويقال للذكر: يا خُنَثُ وللأنثى: يا خَنَاثِ. والذي يُفهم من ذلك أن الخنثى في عرف كلام الناس موضوع للدلالة على الشخص الذي انعطفت خِلقتُه إلى الجنسين معا الذكر والأنثى لما له من الآلتين، أو للدلالة على الشخص الذي تكسَّرت خِلقته لانعدام بروز الآلتين معا عنده. والفقهاء إزاء هذا النوع الأخير تحيَّر أكثرُهم في معرفة جنسه لانعدام الدليل، فنعتوه بالخنثى المُشْكِل، على غرار النوع الذي يكون فيه الخنثى مشتملا على آلتي الذكورة والأنوثة، فقد بينت السُنة النبوية كيفية معالجة وضعه فقهيا في حالة ما إذا كانت إحدى الآلتين معطلة والأخرى مستعملة، فيُنَسب جِنْسُه إلى المستعملة دون المعطلة، كمن كان يبول بذكره دون فرجه، فيُنعت بالذكورة على أنه رجل، أو كان يبول بفرجه دون ذكره فيُنعت بالأنوثة على أنه أنثى. أما في حالة ما إذا كانت كلتا الآلتين مستعملتين فإن الأمر أشكل على الفقهاء، وهو ما يسمى عندهم في كتب الفقه الخنثى المشكل.