الصفحة 5 من 6

النساء أو إلى الرجال، فإن قال أشتهي النساء، ويميل طبعي إليهن حكم بأنه رجل، وإن قال أميل إلى الرجال حكم بأنه امرأة، لأن الله تعالى أجرى العادة بميل الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل، وإن قال أميل إليهما ميلًا واحدًا، أو لا أميل إلى واحد منهما فهو مشكل. وقال الشافعية جميعا إنما نراجعه في ميله وشهوته، ونقبل في ذلك قوله إذا عجزنا عن العلامات السابقة، فأما مع واحدة منها فلا نقبل قوله، لأن العلامة حسية، وميله خفي، ولأن الميل إنما يظهر بعد البلوغ هذا هو المذهب الصحيح المشهور. وقيل وجه آخر أنه يقبل قول الصبي المميز في هذا كالتخيير بين الأبوين في الحضانة، وهذا ليس بشيء عندهم؛ لأن تخييره بين الأبوين تخيير لا تتعلق به أحكام بخلاف تخيير الخنثى فإنه يتعلق به حقوق كثيرة في النفس والمال والعبادات، وهو اختيار لازم لا يجوز الرجوع عنه على غرار التخيير في الحضانة إلا إذا كذَّبه الحس بأن يخبر أنه رجل ثم يلد بطل قوله، ويحكم بأنه امرأة. فإذا انعدمت في الخنثى هذه العلامات فهو مشكل.

رابعا: الخنثى المشكل وإشكالية التكليف الفقهي عند فقهاء الحنابلة.

الحنابلة كباقي الفقهاء قالوا إن الخنثى إما مشكل أو واضح، ويمكن رفع إشكاله قبل البلوغ بالنظر إلى مباله، فإن كان يبول من ذكره فهو ذكر، وإن من فرجه فهو أنثى. قال في ذلك عبد الله بن قدامة:"جاء في الأثر يُورَّث الخنثى من حيث يبول، ولأنها أعم علاماته لأنها توجد في الصغير والكبير، وقد أجرى الله العادة أن الذكر يبول من ذكره والأنثى من فرجها فاعتبر ذلك، فإن بال من حيث يبول الرجل فهو ذكر، وإن بال من حيث تبول المرأة فله حكم المرأة، فإن بال منهما اعتبر بأسبقهما، فإن خرجا في حال واحدة اعتبر أكثرهما، لأن الأكثر أقوى في الدلالة، فإن استويا فهو مشكل". بهذا يكون المعتبر في ذلك الأسبق منهما بولا فيحكم للخنثى من خلاله بالذكورة أو الأنوثة، ولا مزية لأقل المبالين بولا لأنه خلقة زائدة، وهو مذهب الإمام أحمد تبعا لعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، وأهل الكوفة. فإن استوى مبال الآلتين معا ولم يسبق أحدهما الآخر فإن الإمام أحمد نصَّ على أكثرهما بولا اعتمادا على ما نقله إسحاق بن إبراهيم عنه أنه كان يقول: يرث من المكان الذي ينزل منه أكثر. وقال ابن حمدان قدرًا وعددًا، لأن الكثرة مزية لإحدى العلامتين فيعتبر بها كالسبق، فإن استوى المحلان في قدر ما يخرج من كل واحد منهما من البول فالخنثى في هذه الحالة مشكل قبل البلوغ، لعدم تمييزه بشيء مما تقدّم.

أما بعد بلوغ الخنثى فثمة علامات اعتمدها الحنابلة كباقي الفقهاء كخروج المني وظهور الحيض، ونبات اللحية وبروز الثديين، نص عليه الإمام أحمد في رواية الميموني وإن تعذر ذلك فالخنثى عندهم مشكل لا علامة فيه على ذكوريته أو أنوثيته لالتباس أمره، وهذا معنى قولهم لا يكون المشكل أبًا ولا أمًّا لانعدام ذكوريته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت