الصفحة 2 من 6

أولا: الخنثى المشكل وإشكالية التكليف الفقهي عند فقهاء الحنفية.

إذا أطلق اسم الخنثى بلا إضافة كلمة المشكل فإنه يعني عند الفقهاء الخنثى الواضح، وهو الشخص الذي تم تحديد نوعه، وألحق بأحد الجنسين الذكر أو الأنثى، فيكون له من الأحكام ما للجنس المُلحق به. وفي بعض الكتب الفقهية نقف عند باب موضوع للخنثى المشكل فقط، أما الواضح فقد تجلى نوعه، فلم تكن الحاجة ماسة لعقد باب مستقل لأحكامه كما هي للخنثى المشكل. والذي رفع الإشكال عن الخنثى وجعله واضحًا مَبَالُه، والذي يدل على ذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سُئل عن مولود ولد له فرج وذكر من أين يُوَرَّث؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يورَّث من حيث يبول". وعن عليّ بن أبي طالب في الخنثى قال:"يُوَرَّث من قِبَلِ مَبالِه". وهذا الحكم أول ما جرى أيام الجاهلية، حيث يروى أن قاضيا فيهم رُفعت إليه حالة خنثى كيف يُورَّث، فجعل يقول هو رجل هو امرأة، فاستبعد قومه ذلك فتحيَّر، ودخل بيته فجعل يتقلب على فراشه ولا يأخذه نوم لصعوبة النازلة، وكانت له بُنيّة أخبرها بذلك فقالت دع الحال وابتغ المَبَال، فخرج إلى قومه وحكم بذلك فاستحسنوا ذلك منه. والذي فهمه الفقهاء من هذا أن الرواية أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون سنة تقريرية رافعة لإشكال الخنثى فيورَّث من حيث يبول، ولا يقتصر الأمر على الميراث فقط بل الرواية تنص على كيفية تحديد جنس الخنثى أكثر من مجرد كونه يرث من قبل مَبَاله، فإذا ثبت كونه يبول من ذكره فهو ذكر تُلحق به أحكام الذكورة كلها، وإن ثبت كونه يبول بفرجه فإنه يعتبر أنثى أمام الفقه فتلحق به أحكام الأنثى.

والإمام أبو حنيفة كان يرى الخنثى ذكرًا إذا كان يبول من مَبال الرجال، وإلا فإنه أنثى إذا كان يبول من مَبال النساء، أما إن كان يبول منهما جميعا فالحكم للأسبق منهما، ولا شك أن أبا حنيفة اطلع في ذلك على رواية سعيد بن المسيب لما سُئل عن شخص له خلق المرأة وخلق الرجل كيف يورث، فقال من أيهما بال ورث، فقيل أرأيت إن كان يبول منهما جميعا، فقال يُنظر من أيِّهما يخرج البول أسرع فعلى ذلك يورث". وهذا الذي انتهى إليه هو المذهب الذي عوّل عليه الحنفية في ترتيب الأحكام الفقهية للخنثى، إلا إذا استوى المبالان في السبق عندها توقف أبو حنيفة لانعدام الدليل على ذلك فقال: لا علم لي بذلك. أما صاحباه فقالا يورث بأكثرهما بولا، لأن الترجيح يكون بالكثرة كما يكون بالسبق، إذ لا مزاحمة بين القليل والكثير، كما لا مزاحمة بين اللاحق والسابق. وأبو حنيفة أبى ذلك لوجهين أحدهما: أن كثرة البول تدل على سعة المخرج ولا معتبر لذلك، فمخرج بول النساء أوسع من مخرج بول الرجال، والثاني: أن الكثرة والقلة تظهر في البول لا في المبال، والآلة الفصل المبال دون البول، وباعتبار السبق يأخذ السابق اسم المبال قبل أن يأخذ الآخر ذلك الاسم، وأما إذا خرج منهما جميعا فقد أخذا اسم المبال في وقت واحد على صفة واحدة. ثم إن أبا حنيفة استقبح الترجيح بالكثرة، فعلى ما يحكى عنه أن أبا يوسف"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت