فلئن كانت حوادث السير في عصور مضت متوقفة عند حدود سقوط شخص من راحلته، وإصابته ببعض الجروح أو الكدمات، فإنَّ حوادث السير في عصرنا أنتجت قضايا تحير اللب، لكثرتها ودقتها، فالمركبة قد تصيب أشخاصا وتقتل آخرين، وتدمر ما تأتي عليه من الممتلكات والأموال، ناهيكم عن حوادث الطائرات وما شابهها.
لكل هذه الأسباب السبعة المتقدمة ولغيرها من الأسباب يتضح لنا مدى الحاجة الماسة إلى التجديد.
ولكن ماذا نعني بالتجديد؟ وما هي ضوابطه؟
التجديد في اللغة: هو تصيير الشيء جديدا غير قديم.
وَأَمَّا في الاصطلاح: فهو لا يخرج عن المعنى اللغوي؛ لأنَّ المقصد منه إبراز ديننا الإسلامي في ثوب قشيب متمشيا مع متطلبات العصر، من غير تفريط في شيء من ثوابته. وهو ما يشير إليه الحديث الذي رواه أبو داود من طريق أبي هريرة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» [1] [15] .
ولا يعني التجديد تغيير طبيعة القديم أو استبداله بشيء آخر؛ كما قد يظن البعض، بل لابد من الإبقاء على جوهر القديم وطبيعته ومعالمه وخصائصه مع اتساعه لمتغيرات العصر ومستجداته، حتى يكون لكل نازلة حكم ولكل مشكلة حل.
يقول الدكتور الجبوري في معرض حديثه عن تجديد الدين: «إنها في الحقيقة العودة إلى التدبير والتيسير، والاهتمام بجوهر الدين ولبابه. فالذي يقرأ فقه الصحابة والتابعين يجد أنهم أفقه الناس لروح الشريعة ومقاصدها، وكانوا ملتزمين كل الالتزام بشرع الله، ومع ذلك كانوا يجتهدون في أحكام الوقائع بروح سمحة، يعلم الناس أن الله تعالى لم يشرع دينه إلا لمصلحة عباده، وأنه يريد لهم اليسر ولا يريد لهم العسر، وكان منهجهم الوسط الذي هو سمة أحكام الشريعة الإسلامية.
(1) [15] رواه أبو داود.