الصفحة 16 من 30

الترجيح، أو الوصول إلى غاية الشارع من وضع النص، فكل السبل التي يعبرها المتعاملون مع التشريع، باحثون، أو مطبقون لن تستطيع بلوغ الهدف إلا إذا استخدمت المقصد، وهذا الجانب فصله الشاطبي في القسم الثاني من كتاب المقاصد، فقسمه إلى اثنتي عشرة مسألة، بين فيها أهمية النية وأن الأعمال مبنية عليها، واعتبار المقاصد، ليثبت أن العمل إذا تعلق به القصد تعلقت به الأحكام، وهذا هو الذي تطلق عليه القوانين العمد في الجنايات والاختيار في المعاملات، واستدل على ذلك بالآية الكريمة"وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" [1] ، مبينا النظرية التي لم تصل إليها القوانين الوضعية إلا في عصور حديثة، وهي الفرق بين الرضا والاختيار، مقسما الأعمال إلى عادات وعبادات، ثم ركز على القاعدة الفقهية القائلة: العادة عند الامتثال لا تحتاج إلى نية. بل مجرد وقوعها كاف، كرد الودائع والمغصوب وهذا هو الذي يعرف عند أصحاب القانون الوضعي بأن القانون لا يحكم إلا السلوك الخارجي للإنسان، كما يتداخل مقصد الشارع مع ما يطلق عليه تنفيذ العقود بحسن نية، وإليه أشار الشاطبي في المسألة الثانية بقوله: قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع، ثم وضح أن المقاصد الشرعية تربط المكلف بمقتضيات الأحكام، التي هي: الواجب، والمندوب، والمباح، والمحرم، والمكروه.

وأهم وضعه في هذا الموضوع تجلى من بطلان العمل المغاير لمقصد الشارع فقال:"وإن من ابتغى في الشريعة ما لم توضع له فهو مناقض لها"إلى أن قال:"فإذا جاء الشارع بأحد المتماثلين للمصلحة وتعيين الآخر للمفسدة فقد بين الوجه الذي منه تحصل المصلحة فأمر به"

(1) سورة البينة الآية: 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت