الصفحة 17 من 30

كما أن هناك بعض النذور يعجز الإنسان عن الإتيان بها أو إيفائها، وهناك نذر محمود مقبول، وهناك نذر باطل مرفوض، وهناك نذر مَدين ... والله سبحانه وتعالى إنما يتقبل العمل الصالح فهو عز وجل لا يناله من النذر إلا التقوى.

وسلفًا فإن النذر لا يجوز إلا لله وحده، لا إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب، ولا وليِّ أو صالح مكرم، فإنّ فِعْلَ ذلك حرامٌ بإجماع أهل السنة. ومن ثم فإن النذر لا يكون إلا في طاعة واستطاعة وليس في المشقة والتعذيب فعَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنهم - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ مَا بَالُ هَذَا قَالُوا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ [1] .

من الأحاديث الشريفة السابقة نجد أن الله سبحانه وتعالى غنيٌّ عن تعذيب العباد أنفسهم ولا يقبل جل وعلا نذرًا إلا في طاعة، وهذا هو المنهج الإسلامي العام وهو أن لا يشق على مسلم حتى وإن كانت المشقة عبادة وطاعة؛ فصوم الوصال طاعة وعبادة لكنه منهي عنه لِما فيه من مشقة على المرء.

وقد يتطرف بعض المسلمين فينذرون بالمعاصي، ليس للمعصية نفسها ولكن لعِظم شأن الطلب -في نظرهم- وكأنه لا يتحقق فُينذر بالمستحيل .. فمثلًا لو نذرت امرأةٌ: إن عاد ابنها من الحرب الضروس سليمًا رقصت في الحيّ عاريةً، فهي تضع في ميزان حساباتها أن ابنها لا يمكن أن ينجو من تلكم الحرب كما أن شغفها على وليدها يدفعها لعمل ما لا يمكن أن تقوم به فهي لا يمكن أن ترقص في الحي عُريانة فتنذر به، فالإسلام يرى بأن هذا النذر لا يوفّى لأن فيه ما فيه من المعاصي استنادًا إلى حديث سيدتنا عائشة الذي مر، وهناك من العلماء من يرى بأن الأصل الإيفاء لما جاء كثيرًا في القرآن الكريم من لزوم الإيفاء بالنذر فيحاول إيجاد مخرج في تفعيل النذر. والله أعلم.

وفي مسألتنا -أي النذر وتغير قيمة العملة النقدية- فإن العبد إذا نذر بالمسميات فعليه ما سمّى، فالذي ينذر بدنة فعليه بدنة، ومن نذر شاةً فعليه شاة، ما دامت في الاستطاعة، فعن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه رجل يستفتيه كان جعل على نفسه بدنة في يمين حلفها فأفتاه ببدنة من الإبل وزجر الرجل أن يعود [2] .

كما أن أصل الوفاء بالنذور يكون بالتراخي ما لم يحدد وقته، فمن ينذر أن يصلي الصلاة في أول وقتها فيجب عليه ذلك بقدر ما أقته [3] ، فهي تبقى في ذمته لا يبرأ منها حتى

(1) ... فتح الباري، كتاب الحج، برقم 1865

(2) ... رواه الطبراني في الكبير: الهيثمي، علي بن أبي بكر: مجمع الزوائد (بيروت: دار الكتاب العربي، ب. ط، 1407 هـ) ج 4، ص 185.

(3) ... نيل الأوطار، ج 9، ص 138.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت