الصفحة 2 من 30

بسم الله وكفى، والصلاة والسلام على المجتبى المصطفى، وآله ذوي الفضل والوفا، وصحابته المستكملين الشرفا، وبعد؛

لقد صقل الإسلام سلوكيات وأخلاقيات الفرد من خلال إرساء قواعد ثابتة ودعامات رصينة بُني عليها فقه الأخلاق للتعامل بين جميع أشكال الالتزامات الأخلاقية التي تتعلق ابتداءً بالفرد وانتهاءً بكل نواميس الحياة .. فهناك فقه التعامل بين العبد وربه، وآخر بينه وبين نفسه، وثالث بينه وأسرته وعائلته ثم مجتمعه والناس أجمعين.

بل نجد كثيرًا من أبواب الفقه ترسم سُبل التعامل مع كافة المخلوقات حيوانية كانت أو نباتية، وبذلك فقد سبق الإسلام قبل مئات السنين آلافًا من المفكرين والمبدعين ممَن نادوا بكثيرٍ من هذه الأخلاقيات والقيم السامية.

ولعل من بين مجموعة القيم التي يتميز بها الدين الإسلامي قيمة الالتزام بخلق الوفاء وتعاليمه لما فيه من سلوكية سامية مكمنها مجاهدة النفس لإبراء الذمة عند الوفاء والإيفاء والاستيفاء ..

وعند تمحيصنا للشخصية العربية نجد أن الوفاء من أبرز سمات سُلَّمها القيمي .. فالعربي يمتاز بالشجاعة والشهامة والكرم والتضحية والفداء واحترام الميثاق والغَيرة وغيرها، وكلها مقومات السُلَّم القِيَمي للشخصية العربية، فما كان الكرم إلا وفاءً للضيف، وما كانت الشجاعة إلا وفاءً لنصرة القبيلة والعشيرة، وما كانت التضحية والفداء إلا وفاءً للمضحى له، وما كان احترام الميثاق إلا وفاءً بالعهد والوعد، وما كانت الغيرة إلا وفاءً للعرض .. فهي كلها تنعكس في النهاية في إطار الوفاء الذي تتبلور منه شخصية الرجل العربي حتى يقول دريد بن الصمّة وهو يذوّب شخصيته في وفائه لقبيلته:

وما أنا إلاّ من غُزيّة إن غزت ... غزوتُ وإن ترشُد غزية أرشدِ

وجاء الإسلام ليعزز كل القيم الإيجابية والنبيلة التي ابتدأت بالكلمات التي علمها الله سبحانه وتعالى لنبيه آدم عليه السلام وعبر كل الديانات السماوية التي حملها الرسل من بعده.

إن القيم الحضارية قد نشأت في بلاد العرب وكان لهم شعر فيه تأمل وتخيل يدلاّن على قدرة عقلية، وبصيرة ثاقبة، وحس مرهف، ورصانة في القيم، وحصانة في المُثل، وكان لهم درايةٌ بعلم الإنسان، ليس العلم الإنساني الحيواني المادي حسب، وإنما علم الإنسان التام بكل ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت