ينطوي عليه من قيم روحية مدروسة من وجهة النظر الفردية والاجتماعية في آن واحد. وفرقها عن القيم الحضارية الغربية أن الأخيرة حضارة وسائل كما يعبر عنها المفكر رشدي فكّار حيث يقول:"إن الحضارة الغربية هي حضارة (وسائل) ، مجملة في ثلاث: التقدم العلمي، والمعرفة التكنولوجية، والصناعة، وبالتالي فهي حضارة منهج وتنسيق وتنظيم ومحاولة استئناس للظواهر الطبيعية والتعامل معها .. فالحضارة الغربية يمكن أن تباع وتشترى، ويمكن أن تكون تطلعاتنا إليها تطلعات إلى وسائل الحضارة الغربية لا إلى جوهرها .." [1] .
والبحث القائم يحاول الإحاطة بمفهوم وفاء القرض من خلال أبوابه في الفقه والحديث وكيفية التعامل بسلوكياته مع بعض التطبيقات العملية وخاصة في الناحية الاقتصادية التي تمس حياتنا المعاشية اليومية والتي يمكن أن تتجلى قيمة الوفاء فيها من خلال الإنسان بما عليه من دَين أو التزام أو مسؤولية في مجتمع تتغير فيه القيم وتتسارع بتسارع المستجدات الفاعلة فيه.
وقد قسم البحث إلى مباحث أربعة، بيّنا في أوله معنى الوفاء من حيث كونه قيمة متأصلة في أخلاقيات العرب، وكيف حث الإسلام على الالتزام به. ثم يأتي المبحث الثاني ليسلط الضوء على مفهوم القرض وتغير القيمة والاضطرابات الحاصلة في العملة النقدية. يليه المبحث الثالث لبيان قيمة الوفاء بين العبد وربّه في مسألة أخلاقية تعبدية هي الوفاء بالنذور. ويوضح المبحث الأخير بيان الوفاء بين العبد ومثله في مسألة يشتد النقاش فيها في ساحات القضاء ودور الإفتاء للمنازعة فيه وهو حق المهر وكيفية وفائه وتمامه.
أسأل الله سبحانه وتعالى العون ومنه التوفيق والسداد ..
(1) ... ينظر: عثمان، محمد فتحي: القيم الحضارية في رسالة الإسلام (الرياض: الدار السعودية للنشر والتوزيع، ط 1، 1982 م) ، ص 21،22.