الصفحة 16 من 30

المبحث الثالث

وفاء النذور

النَّذْرُ: النَّحْبُ، وهو ما يَنْذُره الإِنسان فيجعله على نفسه نَحْبًا واجبًا، وجمعه نُذُور، وقال أَبو سعيد الضرير: إِنما قيل له نَذْر لأَنه نُذِرَ فيه أَي أَوجب، من قولك نَذَرتُ على نفسي أَي أَوجبْت [1] .

في النذر فائدتان فقهيتان كما يشير إليها الإمام أحمد: إحداهما أن لا نزاع في صحة النذر ولزوم الوفاء به في الجملة أي أن يلزم نفسه لله تعالى شيئا -إن كان مكلفا مختارًا-؛ والثانية كراهة النذر على الصحيح من المذهب لقوله - صلى الله عليه وسلم - النذر لا يأتي بخير [2] ؛ ولا يصح النذر في محال ولا واجب فلو قال لله علي صوم أمس أو صوم رمضان لم ينعقد [3] .

وفي المفهوم العام فإن النذر يكون لله تعالى خالصًا له يقدمها العبد لله عز وجل تعبيرًا عن شكرٍ بعد تحقيق حاجةٍ سألها العبد رّبه فأعطاه .. وفي النذر فلسفة أخلاقية تعبدية، إذ أن الإسلام لم يأتِ ليشق على العباد ولا ليحمِّلهم ما ليس لهم طاقة به. لكن العبد بطبيعته الإنسانية يضفي المكابرة على نفسه ظانًا منه تمام القدرة، ولا يشفق من حمل أي شيء قال تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} (الأحزاب: 72) .. وتأتي فلسفة النذر الأخلاقية من خلال أنه إذا كان في معصية فهو باطل في أصله وليس عليه وفاؤه؛ كما يأتي مربيًا إذ ليس في كل شيء نذر، ففي الموطأ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ مَا بَالُ هَذَا فَقَالُوا نَذَرَ أَلا يَتَكَلَّمَ وَلا يَسْتَظِلَّ مِنَ الشَّمْسِ وَلا يَجْلِسَ وَيَصُومَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَجْلِسْ وَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ [4] . أما فلسفته التعبدية فتأتي أنه - صلى الله عليه وسلم - قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ طَاعَةً وَيَتْرُكَ مَا كَانَ لِلَّهِ مَعْصِيَةً [5] . وفي الحديث عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنهم - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ نَذَرَ أَنْ يَطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ [6] .

(1) ... لسان العرب، جـ 5، ص 200.

(2) ... فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ (إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ الْبَخِيلِ) مسند الإمام أحمد برقم 5958.

(3) ... الإنصاف، ج 11، ص 117 - 118.

(4) ... موطأ الإمام مالك، برقم 1029

(5) ... موطأ الإمام مالك، بالرقم السابق نفسه.

(6) ... سنن الدارمي، كتاب الإيمان والنذور، برقم 2338

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت