المبحث الرابع
وفاء المهور
المَهْرُ: الصَّدّاق وقد مَهَرَ المرأة من باب قطع و أَمْهَرَها أيضا [1] ، وقد عرف المهر في العناية بأنه اسم للمال الذي يجب في عقد النكاح على الزوج في مقابلة البضع إما بالنسبة أو بالعقد واعترض بعد شموله للواجب بالوطء بشبهة ومن ثم عرفه بعضهم بأنه اسم لما تستحقه المرأة بعقد النكاح أو الوطء. ومن أسمائه الأجر والعلائق والحباء وقد جمعها بعضهم بقوله
صداق ومهر نحلة وفريضة حباء وأجر ثم عقر علائق [2]
لكنه لم يذكر العطية والصدقة، لأن الإسلام أراد الارتقاء بشان المرأة في المهر فيجعله أي المهر- حقها وحدها، لأن المسلمة حرة لا تباع ولا تشترى، كما أن للمهر مكانةً اعتباريةً أكبر من كونه مكانة مادية على الزوجين وذلك من وجهتين:
فهو -أي المهر- من جهة الرجل مُعرِّفةً له مكانة المرأة في وجوب إكرامها من أوّل يوم يشرع فيها للارتباط بها، فجعل الشرع لها المهر من حقها وحدها، وفي الانفصال عنها جعل لها مؤخر الصداق (إن لم يتم) والنفقة التي تضمن لها معيشة كريمة تتنزه بها عن فعل منكر أو بغيض وفي ذلك تفصيل.
ومن جهة المرأة، إكرامًا لها لما حافظت عليه طِوال سنيّها ملتزمة بالوفاء لدينها وأهلها متمسكة بالعفة والنزاهة وحسن الخلق. ويجب الإشارة هنا إلى إن هذه القيم التي التزمت بها المرأة في سنيّها هي لا تبيعه بالمهر كما أن الرجل لا يشتري تلك النزاهة بالمهر، وإنما هي عملية إكرام مقابل إكرام وكلٌّ يكرم بالذي عنده.
ومن المعروف أن المهر ليس له حدود دنيا ولا عظمى في العطاء، فهي تستطيع أن تتنازل عن المهر بالكامل وكما يجوز أن تأخذ قنطارًا من المال، وحادثة سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - ليست ببعيدة عنا عندما أراد أن يحدد المهور فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق إثنتي عشرة أوقية فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر يعطينا الله وتحرمنا أليس الله سبحانه وتعالى يقول {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} فقال عمر: أصابت امرأة
(1) ... الرازي: مختار الصحاح، ص 266.
(2) ... أمين، محمد: حاشية ابن عابدين (بيروت: دار الفكر، ط 2، 1386 هـ) ، ج 3، ص 100 - 101.