وكم من جاهل أن قولا ما أو عملا ما مكفِّر كُفِّر بما قال أو عمل من ذلك ولم يُعذر ومما يوضح ذلك قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ .. } ] التوبة:65 - 66[، فهؤلاء يجهلون أن عملهم ذلك مكفر، فلم ينفعهم جهلهم وتأويلهم فالجد والهزل والجهل في الكفر سواء، وهذا في قوم الأصل فيهم الإيمان، وكذلك قوم نوح الأصل فيهم الإيمان عبدوا الأصنام لجهلهم.
فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} ]نوح:23 [قال: أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، يقول ابن عباس: حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم عُبدت[1] .
وجاءت الآثار أن إبليس قال لهم: لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم فصوروا ثم ماتوا فنشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس: إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدوها، رواه عبد بن حميد. فهؤلاء ما عبدوها إلا لجهلهم لأن العلم آنذاك تنسَّخ وانقرض كما قال ابن عباس، فما دخل الشرك على الناس إلا حين عمَّ الجهل فكيف يمكن أن نتصور الجهل عذرا لا يمكن ثبوت وصف الشرك معه، هذا والله عجب.
يقول تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} ]النحل:119 [فقد سمى الله تعالى عملهم بالسوء، وذكر أنهم عملوه بجهالة، فلم تتغير صفة العمل رغم الجهالة فالسوء هو السوء عملوه بعلم أو جهالة، والشرك هو الشرك، والمشرك الذي قال أو فعل الشرك هو المشرك عالما بشركه كان أو جاهلا، فيوصف بالمشرك وقد عمل بجهالة كما وصف شركه بالشرك وهو معمول بجهالة.
إنه من الغريب أن يسأل سائل عن الاستغفار لأبيه الذي نطق بالشهادتين وحفظ القرآن وأدى فرائض الإسلام ومات على الاستغاثة بالموتى والذبح عند قبورهم وتعليق التمائم فيقول له مفتيه: هل أقمت عليه الحجة فيقول لا، فيقول: استغفر له فإنه كان جاهلا، وعندما ندرك أنه لا يجوز الاستغفار للمشركين ولا مناكحتهم ولا الصلاة خلفهم أو عليهم ولا أكل ذبائحهم ولا دفنهم في مقابر المسلمين تظهر لنا أهمية هذا الموضوع.
(1) رواه البخاري (4636) .