وقد سمى الله تعالى فعل المشركين فاحشة قبل قيام الحجة ولم يعذرهم بجهلهم وتقليدهم لآبائهم حيث كانوا يطوفون بالبيت عراة فردَّ الله عليهم سفههم وجهالتهم تلك وسمى فعلهم فاحشة في قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَامُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ] الأعراف:28 [، وقال تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ} ] البقرة:198[فسمهم الله ضالين قبل الهداية ومجيء الرسالة، هذا كله يدلك على أن اسم المشرك يثبت قبل الرسالة لمن لم يحقق التوحيد.
وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} ]البقرة:11 - 13[، فانظر إلى هؤلاء المنافقين الذين لم يحققوا الإيمان بل يصفون المؤمنين بالسفهاء ويجهلون أنهم هم السفهاء ولم يعذروا بجهلهم، وكذلك يفسدون في الأرض بل يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون فلم يُعذروا بعدم شعورهم، وقد أحسن ابن جرير الكلام عند تفسير هذه الآية في الرد على القائلين بأن الكفر لا يكون إلا بالعناد، ونقله عنه ابن كثير وأقرَّه.
وقد يقول بعضهم هذا في الكفار أو المنافقين الأصليين كما هي عادتهم فيرد عليه بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} ]الحجرات:2 [، ومعلوم أن الأعمال لا تحبط بالجملة إلا بالكفر، {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} ] المائدة:5 [، أو بالشرك، {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} ] الزمر:65[، فظهر بجلاء أن الجاهل قد يقع في الشرك وهو لا يشعر فيشرك بالله ويحبط عمله.
بل إنه قد يظن أنه على سبيل الرشاد لجهله ولا يُعذر بذلك قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} ]الكهف:103 - 104 [وقال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} ] المجادلة:18 [، وقال تعالى: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} ] الأعراف:30 [.
وفي حديث بني المنتفق الذي مرَّ ذكره وفيه أن من مات قبل بعثته على الشرك في النار قيل يا رسول الله ما فعل بهم ذلك، وقد كانوا على عمل لا يُحسنون إلا إياه، وقد كانوا يحسبون أنهم مصلحون، ولم يكن ذلك عذرا لهم، فكيف يُعذر من بلغه القرآن ولم يزل متلبسا بالشرك فهؤلاء جهلهم جهل إعراض عن تدبُّر القرآن والعمل به، وهو جهل تقليد وانقياد للأحبار.